لم تكن مسيرة الشيخ صقر بن محمد القاسمي مجرد سنوات طويلة قضاها على رأس الحكم في إمارة رأس الخيمة، بل ارتبطت بمرحلة تاريخية شهدت انتقال الإمارة من ملامح الحياة التقليدية إلى آفاق أوسع من التنظيم المؤسسي والتنمية، وصولًا إلى الانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في محطة جسّدت اكتمال عقد الاتحاد. وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، ارتبط اسمه بتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية تركت أثرها في تاريخ الإمارة ومسيرتها الوطنية.
وفي 27 أكتوبر، تحل ذكرى رحيل الشيخ صقر بن محمد القاسمي، الذي توفي عام 2010، بعد رحلة حكم بدأت عام 1948، وجعلته واحدًا من أطول حكام الإمارات بقاءً في السلطة، وشاهدًا على مراحل مفصلية من تاريخ الدولة قبل قيام الاتحاد وبعده.
من تولي الحكم إلى ترسيخ الاستقرار
تولى الشيخ صقر بن محمد القاسمي حكم رأس الخيمة في 17 يوليو 1948، في مرحلة كانت المنطقة تشهد تحولات متسارعة، لتبدأ معها مسيرة ركزت على ترسيخ الاستقرار وتعزيز التماسك المجتمعي، إلى جانب العمل على تطوير الإمارة في مختلف المجالات.
وشكّل توحيد الصف الداخلي وتعزيز الروابط بين أبناء الإمارة جانبًا مهمًا من نهجه في الحكم، إذ ارتبطت رؤيته بأهمية الاستقرار باعتباره أساسًا لأي تقدم اقتصادي أو اجتماعي، كما عُرف بالحكمة والشجاعة والاهتمام المباشر بشؤون المواطنين، وهي سمات برزت في مسيرة امتدت لعقود طويلة.
ولم يقتصر اهتمامه على إدارة شؤون الحكم، بل امتد إلى قطاعات تمس حياة المجتمع بصورة مباشرة، وفي مقدمتها التعليم، الذي أولاه أهمية خاصة انطلاقًا من إيمانه بدوره في بناء الإنسان وتعزيز الوعي.
وشهدت الإمارة خلال عهده إنشاء مدارس جديدة وتوسيع فرص التعليم، من بينها افتتاح أول مدرسة للبنات في رأس الخيمة عام 1956، في خطوة عكست اتساع الاهتمام بالتعليم النظامي.
التعليم والتنمية.. ملامح مرحلة جديدة
مثّل الاهتمام بالتعليم أحد المحاور البارزة في مسيرة الشيخ صقر بن محمد القاسمي، بالتوازي مع السعي إلى تطوير الخدمات الصحية وتحسين مقومات الحياة في الإمارة. فقد عمل على دعم المؤسسات التعليمية وتشجيع مواصلة التحصيل العلمي، إلى جانب الاهتمام بتوفير الرعاية الصحية للسكان.
ومع مرور السنوات، اتجهت رأس الخيمة نحو تعزيز بنيتها التحتية وتوسيع نشاطها الاقتصادي، بما يتناسب مع احتياجات المجتمع ومتطلبات التنمية. وشهدت الإمارة خلال فترة حكمه مشروعات مهمة في مجالات النقل والموانئ والصناعة، من بينها افتتاح مطار رأس الخيمة عام 1976 وميناء صقر عام 1977، إلى جانب نمو قطاعات صناعية أسهمت في تنويع النشاط الاقتصادي للإمارة.
وعكست هذه التحولات مسارًا تدريجيًا لبناء مؤسسات أكثر تنظيمًا، وتوفير مقومات تساعد على انتقال رأس الخيمة إلى مرحلة جديدة من التطور، مع الحفاظ على ارتباطها بتاريخها وهويتها المحلية.
رأس الخيمة والاتحاد.. محطة مفصلية
على المستوى الوطني، ارتبط اسم الشيخ صقر بن محمد القاسمي بإحدى أبرز محطات تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ انضمت رأس الخيمة إلى الاتحاد في 10 فبراير 1972، لتكتمل بانضمامها منظومة الإمارات السبع.
وجاءت هذه الخطوة بعد إعلان قيام دولة الإمارات في 2 ديسمبر 1971، لتؤكد أهمية التوافق بين حكام الإمارات في بناء دولة اتحادية قادرة على تعزيز الاستقرار وتوسيع آفاق التنمية والتعاون. وكان انضمام رأس الخيمة تتويجًا لمرحلة من المشاورات والاعتبارات السياسية التي صاحبت تأسيس الاتحاد، كما مثّل محطة بارزة في مسيرة الشيخ صقر الوطنية.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الإمارة جزءًا من مسار اتحادي أوسع، يجمع بين خصوصية كل إمارة والعمل المشترك من أجل مستقبل الدولة.
إرث يتجاوز سنوات الحكم
في 27 أكتوبر 2010، رحل الشيخ صقر بن محمد القاسمي، بعد أكثر من ستة عقود قضاها حاكمًا لرأس الخيمة، تاركًا وراءه مرحلة ارتبطت بالاستقرار وبناء المؤسسات والتحولات التنموية، فضلًا عن مشاركته في المسيرة التي أفضت إلى اكتمال اتحاد الإمارات.
وبرحيله، انتقلت الإمارة إلى مرحلة جديدة بقيادة نجله الشيخ سعود بن صقر القاسمي، الذي تولى مقاليد الحكم في اليوم نفسه، مواصلًا مسيرة التنمية في رأس الخيمة.
وبعد مرور السنوات، تبقى سيرة الشيخ صقر بن محمد القاسمي جزءًا من الذاكرة الوطنية الإماراتية، لا باعتباره حاكمًا امتدت سنوات ولايته لأكثر من ستة عقود فحسب، بل بوصفه أحد الشهود البارزين على تحولات الإمارة، وعلى انتقالها إلى موقعها ضمن دولة الاتحاد، في مرحلة شكّلت إحدى المحطات الأساسية في تاريخ الإمارات الحديث.