تريم وعبد الله عمران.. حكاية شقيقين صنعا تاريخًا في الصحافة الإماراتية

تريم وعبد الله عمران.. حكاية شقيقين صنعا تاريخًا في الصحافة الإماراتية

لم يكن تأسيس صحيفة «الخليج» مجرد خطوة في تاريخ الصحافة الإماراتية، بل كان جزءًا من مشروع أوسع آمن به الشقيقان تريم عمران تريم والدكتور عبد الله عمران تريم، يقوم على امتلاك منبر إعلامي يناقش قضايا المنطقة، ويواكب التحولات السياسية، ويدافع عن الهوية العربية، في مرحلة كانت فيها منطقة الخليج العربي تستعد لتغييرات تاريخية كبرى.

ومن الشارقة، انطلقت فكرة الشقيقين اللذين جمعتهما اهتمامات العمل العام والتعليم والسياسة، قبل أن تصبح الصحافة أحد أبرز المجالات التي ارتبطت باسميهما، من خلال تأسيس صحيفة «الخليج»، التي تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من المؤسسات الصحفية البارزة في الإمارات والمنطقة العربية.

من القاهرة إلى فكرة المنبر الصحفي

وُلد تريم عمران تريم عام 1942، فيما وُلد شقيقه الدكتور عبد الله عمران تريم عام 1948 في الشارقة. وتلقى الشقيقان تعليمهما في الشارقة والكويت، ثم درسا في جامعة القاهرة، حيث حصلا على خلفية أكاديمية أسهمت في تشكيل اهتماماتهما السياسية والثقافية.

وفي أواخر ستينيات القرن الماضي، عادت المنطقة إلى واجهة الأحداث السياسية، خصوصًا بعد هزيمة يونيو 1967، وتصاعد النقاشات بشأن مستقبل الخليج العربي، مع اقتراب الانسحاب البريطاني من المنطقة وتزايد الحاجة إلى بناء كيانات سياسية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة.

وفي هذا السياق، شارك الشقيقان ضمن الوفد الرسمي لإمارة الشارقة في المفاوضات التي سبقت قيام دولة الاتحاد. ومع اتساع التحولات المحيطة بهما، برزت لديهما فكرة تأسيس منبر صحفي يتيح مناقشة القضايا الوطنية والعربية، ويقدم للقارئ صورة أوسع عن الأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة.

لم تكن الفكرة سهلة التنفيذ؛ فالإمكانات المالية كانت محدودة، كما لم تكن المطابع المحلية مهيأة لطباعة صحيفة سياسية بالمواصفات المطلوبة. لكن هذه العقبات لم تمنع الشقيقين من المضي قدمًا في مشروعهما.

«الشروق».. البداية التي مهدت لولادة «الخليج»

سبقت صحيفة «الخليج» تجربة صحفية أخرى، تمثلت في مجلة «الشروق» السياسية الشهرية، التي أسسها تريم وعبد الله عمران بالتعاون مع صديقهما يوسف الحسن.

ولم تتوافر في الشارقة والإمارات المتصالحة آنذاك مطابع مؤهلة لإنتاج المجلة، ما دفعهم إلى التوجه نحو الكويت، حيث وجدوا الدعم لدى الناشر فجحان هلال المطيري، الذي وافق على طباعة المجلة بنظام مؤجل الدفع، مستفيدين من إمكانات مطبعته الحديثة.

كان العمل يجري في ظروف شاقة؛ إذ تُجهز المواد الصحفية في الشارقة، ثم تُنقل إلى الكويت للطباعة، قبل إعادة النسخ إلى المنطقة وتوزيعها على القراء. ومع توالي أعداد «الشروق»، اكتسبت التجربة زخمًا شجع أصحابها على الانتقال إلى خطوة أكبر: إصدار صحيفة سياسية تحمل اسم «الخليج».

وهكذا لم تكن «الشروق» مجرد تجربة عابرة، بل كانت المرحلة التي اختبر خلالها المؤسسون قدرتهم على إدارة مشروع صحفي، ومهدت الطريق أمام إصدار صحيفة يومية تتناول قضايا المنطقة بصورة أكثر اتساعًا وانتظامًا.

19 أكتوبر 1970.. ميلاد صحيفة «الخليج»

في 19 أكتوبر 1970، صدر العدد الأول من صحيفة «الخليج»، التي أسسها الشقيقان تريم وعبد الله عمران بالتعاون مع يوسف الحسن، لتصبح من الصحف السياسية المبكرة التي انطلقت من المنطقة في تلك المرحلة.

وُلدت الصحيفة في وقت كانت فيه الإمارات والمنطقة الخليجية أمام تحولات سياسية كبيرة، ولذلك ارتبطت رسالتها منذ البداية بقضايا الاتحاد، والهوية العربية، والتطورات الإقليمية، وشؤون المجتمع.

ولم يكن التحدي مقتصرًا على إصدار الصحيفة، بل شمل استمرارها في ظل محدودية الموارد، وصعوبات الطباعة والتوزيع، والحاجة إلى بناء قاعدة من القراء في بيئة صحفية كانت لا تزال في طور التشكّل.

لكن المؤسسين تعاملوا مع الصحيفة باعتبارها مشروعًا طويل الأمد، لا مجرد إصدار جديد في سوق الصحافة. فقد أرادا لها أن تكون منبرًا يناقش القضايا العامة، ويواكب الأحداث، ويتيح مساحة للتعبير عن المواقف تجاه التطورات التي تشهدها المنطقة.

توقف مؤقت.. ثم عودة أقوى

لم تستمر التجربة الأولى لـ«الخليج» دون انقطاع؛ ففي 29 فبراير 1972، توقفت الصحيفة عن الصدور، بعد دخول مؤسسيها مجال العمل العام وخدمة الدولة الاتحادية الناشئة.

وكان تريم عمران قد تولى مهام دبلوماسية، من بينها تمثيل الإمارات سفيرًا في مصر، فيما تولى الدكتور عبد الله عمران مناصب وزارية في الحكومة الاتحادية، شملت وزارتي العدل والتربية والتعليم.

ومع ذلك، لم تنتهِ فكرة الصحيفة بتوقف إصدارها. ففي عام 1980، عاد الشقيقان إلى المشروع، وأُعيد إصدار «الخليج»، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الصحفي المؤسسي.

ومع توسع التجربة، تطور المشروع إلى مؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر، التي اتسعت إصداراتها وأنشطتها، وأصبحت الصحيفة نواة لعمل إعلامي أكبر من حدود الإصدار الواحد.

تريم عمران.. بين الصحافة والدبلوماسية والعمل الوطني

ارتبط اسم تريم عمران بالمرحلة التأسيسية لـ«الخليج»، وبالعمل الدبلوماسي والسياسي في السنوات الأولى من عمر دولة الإمارات. وإلى جانب مشاركته في تأسيس الصحيفة، تولى منصب سفير الإمارات في مصر، ومثل الدولة لدى جامعة الدول العربية، كما انتُخب رئيسًا للمجلس الوطني الاتحادي عام 1977، وجُددت رئاسته عام 1979.

وبعد عودته إلى العمل الصحفي، تفرغ لإدارة مؤسسة دار الخليج، وظل مرتبطًا بتطويرها حتى وفاته في 16 مايو 2002.

أما الدكتور عبد الله عمران، فجمع بين العمل السياسي والأكاديمي والإعلامي. وبعد مشاركته في تأسيس الصحيفة، تولى حقائب وزارية في الحكومة الاتحادية، ثم عاد إلى قيادة مؤسسة دار الخليج، وترأس مجلس إدارتها بعد وفاة شقيقه.

وفي عهده، واصلت المؤسسة توسيع أنشطتها الصحفية والثقافية، وترسيخ حضورها في المشهد الإعلامي الإماراتي.

إرث الشقيقين.. من صحيفة إلى مؤسسة

تتجاوز قصة تريم وعبد الله عمران مجرد تأسيس صحيفة؛ فهي توثق تجربة بدأت بفكرة سياسية وثقافية، وواجهت صعوبات مالية وتقنية، ثم توقفت لفترة قبل أن تستأنف مسيرتها وتتحول إلى مؤسسة إعلامية ذات إصدارات متعددة.

وبعد وفاة تريم عمران، واصل عبد الله عمران قيادة المؤسسة، إلى أن توفي في 30 يناير 2014. واستمر اسم الشقيقين حاضرًا في المجال الثقافي والإنساني من خلال مؤسسة تريم وعبد الله عمران للأعمال الثقافية والإنسانية.

وتبقى تجربتهما نموذجًا لارتباط الصحافة بتاريخ الإمارات الحديث، وكيف يمكن لمشروع بدأ بإمكانات محدودة أن يتحول، عبر الاستمرار والتطوير، إلى جزء من الذاكرة الإعلامية للبلاد.

Chat Icon