لم يكن أحمد محمد بن عبيد المنصوري مجرد مذيع ينقل الأخبار عبر الأثير، بل كان شاهدًا على مرحلة تشكّل فيها التاريخ الإماراتي الحديث، وواكب بصوته محطات مفصلية في مسيرة البناء والتنمية، فمن إذاعة «صوت الساحل» في الشارقة، مرورًا بتأسيس الإذاعة العُمانية في مسقط وصلالة، وصولًا إلى مرافقة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في جولاته، امتدت رحلته المهنية لأكثر من 45 عامًا، ترك خلالها بصمة في ذاكرة الإعلام الإماراتي والخليجي.
من الشندغة إلى ميكروفون الإذاعة
وُلد أحمد محمد بن عبيد المنصوري عام 1944 في منطقة الشندغة بدبي، ونشأ في مرحلة كانت فيها المنطقة تستعد لتحولات اقتصادية واجتماعية كبرى. ووجد في الصحافة المدرسية بدايته الأولى مع العمل الإعلامي، قبل أن ينتقل إلى الإذاعة، حيث بدأت ملامح مسيرته المهنية التي ارتبطت بتاريخ الإعلام في الإمارات.
في عام 1967، عُيّن مذيعًا في إذاعة «صوت الساحل» بالشارقة، التي أُنشئت في معسكر المرقاب التابع لقوة ساحل عُمان، قبل قيام اتحاد دولة الإمارات. وجاء انتقاله إلى هذا المجال بترشيح من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، بعدما كان يعمل أمينًا عامًا للصندوق في جمارك دبي.
هناك، بدأ المنصوري رحلته من موقع المذيع المبتدئ، متعلمًا أساسيات العمل الإذاعي وفنونه على أيدي أصحاب الخبرة، ومن بينهم يحيى أحمد كوسا، مدير الإذاعة آنذاك. ومع مرور الوقت، انتقل إلى تقديم البرامج والفقرات المنوعة والتعليق على الأحداث المحلية، ليصبح أحد الأصوات الإماراتية المبكرة التي أسهمت في ترسيخ حضور المواطن في المشهد الإذاعي.
صوت يوثّق لحظة تاريخية
في عام 1969، ارتبط اسم المنصوري بإحدى المحطات الاقتصادية المهمة في تاريخ دبي، عندما علّق على احتفال الإمارة بتصدير أول شحنة نفط من حقل «فتح»، بحضور الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. لم يكن الحدث مجرد مناسبة اقتصادية، بل مثّل علامة فارقة في مسيرة دبي نحو مرحلة جديدة من التنمية، وكان نقل أجوائه عبر الإذاعة جزءًا من توثيق تلك اللحظة للأجيال.
ومع أهمية هذه التجربة، لم تقتصر مسيرته على نقل الأخبار، بل امتدت إلى مواكبة التحولات التي شهدتها الدولة في سنوات التأسيس، حين كان الإعلام يؤدي دورًا أساسيًا في نقل ملامح التغيير وتعريف الجمهور بالمشروعات والإنجازات الجديدة.
تجربة عُمانية صنعت روّادًا
لم يمكث المنصوري طويلًا في «صوت الساحل»، إذ انتقل عام 1970 إلى سلطنة عُمان للمشاركة في تأسيس إذاعتها في مسقط وإدارتها، بالتعاون مع فريق فني من الإذاعة البريطانية. وهناك، سجّل اسمه بوصفه أول من أعلن عبر الأثير: «هنا إذاعة عُمان من مسقط».
وبعد نحو ثلاثة أشهر، انتقل إلى ظفار للمساهمة في تأسيس إذاعة صلالة، وشارك في استقطاب الكوادر الإعلامية وتدريبها، في تجربة تجاوز أثرها حدود العمل الإذاعي إلى بناء المؤسسات الإعلامية وتأهيل أجيال من العاملين فيها. كما رافق السلطان قابوس بن سعيد في جولاته الداخلية، وشهد جانبًا من التحولات التي عرفتها السلطنة خلال سنوات نهضتها. وتقديرًا لجهوده، نال وسام النهضة العُمانية.
محطات في مسيرة إعلامية استثنائية
عاد المنصوري إلى الإمارات عام 1973، في مرحلة كانت فيها المؤسسات الإعلامية تتشكل وتتوسع بالتوازي مع قيام الدولة الاتحادية وترسيخ أجهزتها. وتولى لاحقًا منصب مساعد مدير الإذاعة والتلفزيون لشؤون الإذاعة في أبوظبي، مستفيدًا من خبراته المتراكمة في العمل الإذاعي والإدارة.
وشكّلت مرافقة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في جولاته الداخلية والخارجية محطة بارزة أخرى في مسيرته؛ إذ أُتيحت له فرصة متابعة تحركات القيادة عن قرب، ورئاسة وفود إعلامية مرافقة، والمشاركة في نقل أخبار الدولة إلى جمهورها داخل الإمارات وخارجها.
وامتد تقدير تجربته إلى خارج حدود الوطن، فحصل على وسام الجلالة الشرفية من المملكة المغربية، ووسام الجمهورية التونسية، إلى جانب وسام النهضة العُمانية وجائزة تريم عمران الصحفية، وهي تكريمات عكست جوانب من حضوره المهني وإسهاماته الإعلامية.
إرث يتجاوز حدود الميكروفون
في 19 أكتوبر 2024، رحل أحمد محمد بن عبيد المنصوري، تاركًا وراءه سيرة ارتبطت بالبدايات الأولى للإذاعة الإماراتية وبجهود تأسيس الإعلام في سلطنة عُمان. ولم تكن أهمية تجربته في طول سنوات العمل وحدها، بل في تنوع أدواره بين التقديم والتعليق والإدارة والتأسيس والتدريب.
لقد عاصر المنصوري زمنًا انتقلت فيه المنطقة من محدودية وسائل الاتصال إلى اتساع المؤسسات الإعلامية وتطور أدواتها، وكان حاضرًا في عدد من محطاته المفصلية. ومن إذاعة «صوت الساحل» إلى مسقط وصلالة، ثم المؤسسات الإذاعية الإماراتية، ظل شاهدًا على تحولات الخليج، ومساهمًا في صناعة ذاكرته الإعلامية.