تقدم السيرة الجديدة «هوكينج.. حياته وعمله» (Hawking: His Life and Work)، للكاتب والمؤرخ العلمي جراهام فارميلو، قراءة موسعة في حياة عالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكينج، تجمع بين إنجازاته التي أسهمت في تطوير فهم الثقوب السوداء ونشأة الكون، والتفاصيل الشخصية والعائلية التي ظلت بعيدة عن الصورة العامة التي ارتبطت به لعقود.
ويستند فارميلو في الكتاب إلى رسائل ومذكرات عائلية لم تُنشر من قبل، إلى جانب مقابلات مع أفراد أسرة هوكينج وأصدقائه وزملائه، ليقدم صورة تتجاوز الحكاية المعروفة عن العالم الذي تحدى مرضًا عصبيًا خطيرًا وأصبح أحد أشهر العلماء في العالم. ولا يكتفي العمل باستعراض مسيرته العلمية، بل يتناول أيضًا طموحه وعلاقاته الإنسانية وخلافاته مع زملائه، في محاولة لفهم الشخصية التي تقف وراء الإنجازات.
وصدر الكتاب عن دار «جون موراي» البريطانية في سبتمبر 2026، في نحو 608 صفحات، فيما تحمل النسخة الأمريكية عنوان «Hawking» فقط، ومن المقرر صدورها عن دار «بنتام» في نوفمبر من العام نفسه. وقد حظيت السيرة باهتمام عدد من المراجعات الصحفية والعلمية، التي أشادت بجهدها التوثيقي وقدرتها على شرح الأفكار الفيزيائية المعقدة، مع اختلافها في تقييم بعض جوانب معالجة شخصية هوكينج.
تشخيص غيّر مسار حياته
وُلد ستيفن هوكينج في أكسفورد عام 1942، وأظهر اهتمامًا بالعلوم والرياضيات منذ سنوات دراسته، قبل أن يلتحق بجامعة أكسفورد ثم ينتقل إلى جامعة كامبريدج لاستكمال دراساته في الفيزياء النظرية وعلم الكونيات.
لكن مسيرته شهدت تحولًا حاسمًا في مطلع العشرينيات من عمره، عندما شُخّص بمرض التصلب الجانبي الضموري، المعروف اختصارًا باسم ALS، وهو مرض عصبي يؤثر في الخلايا المسؤولة عن التحكم في العضلات. وكانت التوقعات الطبية في ذلك الوقت تشير إلى أن حياته قد تكون قصيرة، إلا أنه عاش حتى عام 2018، عن عمر ناهز 76 عامًا.
ومع تقدم المرض، فقد هوكينج قدرته على الحركة بصورة متزايدة، ثم فقد القدرة على الكلام بصورة طبيعية، واعتمد لاحقًا على جهاز حاسوبي لتكوين الكلمات والتواصل مع الآخرين. ومع ذلك، واصل عمله العلمي لعقود، وأصبح حضوره العام يتجاوز الأوساط الأكاديمية، حتى تحول إلى رمز عالمي للبحث العلمي والقدرة على مواصلة العمل في ظروف بالغة الصعوبة.
ويتناول فارميلو هذه التجربة باعتبارها جزءًا أساسيًا من قصة هوكينج، لكنه لا يختزل حياته في المرض أو في فكرة التغلب على الإعاقة. فالكتاب، وفقًا للمراجعات المنشورة عنه، يهتم كذلك بدور الأسرة والأصدقاء والزملاء ومقدمي الرعاية في استمرار مسيرته، وبالظروف التي أتاحت له مواصلة البحث والتدريس والسفر والظهور أمام الجمهور.
من الثقوب السوداء إلى أسرار نشأة الكون
يحتل العمل العلمي مساحة رئيسية في السيرة، التي تحاول شرح إسهامات هوكينج ضمن سياق تطور الفيزياء الحديثة، بدلًا من الاكتفاء بتقديم قائمة باكتشافاته.
ومن أبرز محطات مسيرته أبحاثه المتعلقة بالثقوب السوداء، وهي مناطق في الفضاء تتمتع بجاذبية شديدة لا يستطيع الضوء الإفلات منها بعد تجاوز حدود معينة تُعرف بأفق الحدث. وقد ارتبط اسمه بمحاولات فهم العلاقة بين هذه الأجسام والنظريات الأساسية التي تفسر طبيعة الكون.
وفي أبحاثه بالتعاون مع عالم الفيزياء البريطاني روجر بنروز، ساهم هوكينج في تطوير الأفكار المتعلقة بالتفردات الرياضية في النسبية العامة، وهي الحالات التي تشير فيها المعادلات إلى بلوغ الكميات الفيزيائية حدودًا قصوى، كما في نماذج الثقوب السوداء وبدايات الكون.
وفي عام 1974، قدم واحدة من أشهر إسهاماته العلمية، عندما طرح ما أصبح يُعرف باسم «إشعاع هوكينج»، ومفاده أن الثقوب السوداء ليست سوداء تمامًا، بل يمكنها إصدار إشعاع نتيجة التأثيرات الكمومية المرتبطة بالفضاء المحيط بها، وهو ما يعني أنها قد تفقد الطاقة والكتلة تدريجيًا.
وتكمن أهمية هذه الفكرة في جمعها بين مجالات كانت تبدو صعبة التوفيق، من بينها النسبية العامة وميكانيكا الكم والديناميكا الحرارية ونظرية المعلومات. وقد فتحت هذه الأبحاث أسئلة مهمة حول طبيعة الثقوب السوداء ومصير المعلومات داخلها، ولا تزال بعض جوانبها موضوعًا للبحث والنقاش في الفيزياء النظرية.
ويحرص فارميلو على تقديم هذه الأفكار بلغة يمكن للقارئ غير المتخصص متابعتها، وهي نقطة أشارت إليها مراجعات الكتاب، التي رأت أنه ينجح في توضيح أهمية أبحاث هوكينج دون تحويل السيرة إلى نص أكاديمي يصعب على القارئ العام فهمه.
لكن الكتاب، بحسب القراءة النقدية التي نشرتها صحيفة «ذا جارديان»، يضع الإنجازات العلمية في حجمها التاريخي أيضًا، فلا يقدم هوكينج باعتباره عالمًا يتفوق على جميع من سبقوه، بل يركز على إسهاماته المحددة في فهم الثقوب السوداء وعلم الكونيات، مع الإشارة إلى أن بعض تصريحاته في مجالات خارج نطاق تخصصه لم تكن دائمًا بالدقة نفسها.
العالم الذي أصبح نجمًا عالميًا
لم تقتصر شهرة هوكينج على الجامعات والمؤسسات العلمية، إذ نجح في تحويل بعض الأسئلة الأكثر تعقيدًا في الفيزياء إلى موضوعات تحظى باهتمام القراء حول العالم.
وكان كتابه «تاريخ موجز للزمن» (A Brief History of Time)، الصادر عام 1988، محطة رئيسية في هذه المسيرة، إذ تناول موضوعات مثل نشأة الكون وطبيعة الزمن والثقوب السوداء، وحقق انتشارًا عالميًا واسعًا، مع تجاوز مبيعاته 25 مليون نسخة وفق بيانات الناشر.
كما ظهر هوكينج في أعمال تلفزيونية وثقافية، من بينها مسلسلا «ستار تريك» و«عائلة سيمبسون»، وأصبح موضوعًا لفيلم «نظرية كل شيء» (The Theory of Everything)، الذي تناول جانبًا من حياته وعلاقته بزوجته الأولى جين وايلد.
وأسهم هذا الحضور في ترسيخ صورته بوصفه عالمًا قادرًا على الوصول إلى جمهور يتجاوز المتخصصين، لكنه جعل من الضروري أيضًا التمييز بين إنجازاته العلمية الفعلية وبين الصورة الرمزية التي صنعتها وسائل الإعلام حوله.
وتحاول السيرة الجديدة معالجة هذه المسافة بين العالم والشخصية العامة، موضحة كيف تحولت أبحاث هوكينج إلى مصدر شهرة واسعة، وكيف أصبح اسمه حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالعلم والإعاقة والقدرة الإنسانية على مواجهة الصعوبات.
رسائل عائلية تكشف جانبًا مختلفًا من الشخصية
من أبرز ما يميز الكتاب اعتماده على وثائق شخصية ومقابلات مع أشخاص عرفوا هوكينج بعيدًا عن قاعات المحاضرات والظهور الإعلامي. وتتيح هذه المواد للقارئ التعرف على تفاصيل من حياته العائلية، وعلى الطريقة التي تعامل بها مع المقربين منه، وهي جوانب لا تظهر عادة في الروايات التي تركز على إنجازاته العلمية وحدها.
وتشير المراجعات المنشورة في الصحافة البريطانية إلى أن فارميلو لا يقدم شخصية هوكينج في صورة مثالية، بل يتناول أيضًا ما وصفه بعض أفراد أسرته ومعارفه بالأنانية والتعالي والتنافسية الشديدة، إلى جانب الخلافات التي شهدتها علاقاته الشخصية.
ومن بين القضايا التي يتوقف عندها الكتاب علاقته بزوجته الأولى جين وايلد، التي تزوجها عام 1965، وكانت شريكًا أساسيًا في سنواته الأولى مع المرض، وتحملت مسؤوليات كبيرة في رعايته ورعاية أطفالهما، إلى جانب محاولتها مواصلة حياتها واهتماماتها الخاصة.
وتعرض السيرة التوترات التي ظهرت في هذه العلاقة مع مرور الوقت، بما في ذلك اختلافاتهما الفكرية والدينية والضغوط التي فرضتها ظروف الرعاية والحياة الأسرية. وتلفت مراجعة صحيفة «ذا جارديان» إلى أن تضحيات جين لم تحظَ دائمًا بالتقدير الذي تستحقه، فيما رأت مراجعة «آيرش تايمز» أن الكتاب يقدم تفاصيل إنسانية تجعل صورة هوكينج أكثر تعقيدًا من الصورة التي اعتاد الجمهور رؤيتها.
ولا يتوقف الكتاب عند زواجه الأول، بل يتناول أيضًا تعقيدات حياته الأسرية وعلاقاته بأبنائه والمقربين منه، ليكشف أن النجاح العلمي والشهرة لم يمنحاه بالضرورة حياة شخصية مستقرة أو علاقات خالية من الخلافات.
خلافات علمية وسؤال الاعتراف بجهود الآخرين
تتناول السيرة كذلك جانبًا حساسًا من تاريخ هوكينج العلمي، يتعلق بطبيعة علاقاته بزملائه ومدى اعترافه بإسهاماتهم في الأبحاث التي شاركوا فيها أو أسهموا في تطويرها.
ومن أبرز الأمثلة التي تثيرها المراجعات خلافه مع عالم الفيزياء ياكوب بيكنشتاين، الذي طرح أفكارًا مهمة بشأن العلاقة بين مساحة أفق الحدث والإنتروبيا، وهي كمية ترتبط في الديناميكا الحرارية بدرجة انتشار الطاقة وعدد الحالات الممكنة للنظام.
وتشير المراجعات إلى أن هوكينج انتقد أفكار بيكنشتاين في البداية، قبل أن يصل إلى نتائج تدعم جوانب أساسية منها، وأن طريقة التعامل مع هذا الإسهام أثارت انتقادات بشأن مقدار التقدير الذي حصل عليه الباحث الآخر.
كما يناقش الكتاب علاقته بأبحاث روجر بنروز، الذي كان لعمله بشأن الثقوب السوداء والتفردات تأثير مهم في المسار العلمي لهوكينج. وتطرح هذه الوقائع سؤالًا أوسع عن المنافسة داخل المؤسسات العلمية، وعن الحدود الفاصلة بين الطموح الشخصي والاعتراف بحقوق الآخرين الفكرية.
ولا تعني هذه الخلافات التقليل من قيمة إنجازات هوكينج، لكنها تضعها في سياق أكثر واقعية؛ فالعلم لا يتقدم بمعزل عن العلاقات الإنسانية، بل يتشكل من خلال التعاون والنقاش والمنافسة، وأحيانًا الخلاف حول الأفكار والأسبقية في الوصول إلى النتائج.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سيرة عالم ارتبط اسمه عالميًا بالعبقرية، إذ تتيح للقارئ فهم أن المكانة العلمية الكبيرة لا تعني بالضرورة أن صاحبها كان معصومًا من الأخطاء أو أن جميع مواقفه كانت محل إجماع.
هل يمكن فصل العبقرية عن عيوب صاحبها؟
أثارت هذه الجوانب نقاشًا نقديًا حول الطريقة التي يتعامل بها الجمهور والمؤسسات العلمية مع الشخصيات الاستثنائية، خاصة عندما تجمع بين الإنجازات الكبيرة والظروف الصحية الصعبة.
وفي مراجعته للكتاب في «ذا جارديان»، يرى الكاتب العلمي فيليب بول أن شهرة هوكينج وإعجاب الجمهور به أسهما في تجاهل بعض التصرفات التي كان من الممكن أن تخضع لنقد أشد لو صدرت عن عالم آخر. ويطرح تساؤلًا بشأن ما إذا كان التعاطف مع إعاقته قد أدى، في بعض الأحيان، إلى التساهل في تقييم سلوكه الشخصي والمهني.
في المقابل، لا تتعامل المراجعات مع هذه الجوانب باعتبارها سببًا لإلغاء قيمة أبحاثه. فمراجعة مجلة «نيتشر»، التي كتبها عالم الفيزياء نيل توروك، تبرز قدرة الكتاب على تقديم حياة هوكينج العلمية والإنسانية بصورة متوازنة، مع التركيز على العلاقات التي ساعدته في مواصلة عمله وعلى دوره في إلهام أشخاص واجهوا ظروفًا صعبة.
ويبدو أن هذه الموازنة هي إحدى النقاط الرئيسية في الكتاب: الاعتراف بإنجازات هوكينج دون تحويلها إلى مبرر لتجاهل أخطائه، والنظر إلى ظروفه الصحية والإنسانية دون اختزال شخصيته فيها.
وبهذا المعنى، لا يقدم فارميلو سيرة تقليدية غايتها الاحتفاء بالعالم، بل يحاول وضع تجربته أمام القارئ بكل ما فيها من نجاحات وتناقضات، تاركًا مساحة للتفكير في طبيعة العلاقة بين الإنجاز العلمي والشخصية الإنسانية.
جراهام فارميلو.. كاتب يجمع بين الفيزياء والسيرة
يتولى كتابة السيرة جراهام فارميلو، وهو كاتب ومؤرخ علمي حاصل على جوائز، وله خبرة في تناول حياة العلماء وأفكارهم وتقديمها إلى القراء غير المتخصصين.
ومن أبرز أعماله كتاب «الرجل الأكثر غرابة» (The Strangest Man)، الذي تناول حياة عالم الفيزياء البريطاني بول ديراك، أحد رواد ميكانيكا الكم، وفاز بجائزة كوستا للسيرة الذاتية عام 2009، كما حصل على جائزة لوس أنجلوس تايمز للعلوم عام 2010.
وتمنح خلفية فارميلو العلمية والتاريخية كتابه عن هوكينج ميزة مهمة، إذ لا يكتفي بسرد الأحداث الشخصية، بل يضع الأبحاث والاكتشافات ضمن سياقها العلمي، ويشرح علاقتها بتطور النظريات الفيزيائية الحديثة.
كما أن حصوله على إمكانية الوصول إلى أرشيف عائلة هوكينج وإجراء مقابلات مع أفراد أسرته وأصدقائه وزملائه أتاح له بناء رواية تعتمد على مصادر متنوعة، بدلًا من الاقتصار على المعلومات المنشورة سابقًا أو الصورة التي تشكلت عبر ظهوره الإعلامي.
وقد أشاد عدد من العلماء والكتاب بالعمل، من بينهم روجر بنروز، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2020، وكب ثورن، الحائز على الجائزة عام 2017، اللذان أثنيا على عمق البحث وقدرة المؤلف على تقديم حياة هوكينج وأفكاره العلمية بأسلوب واضح.
سيرة تتجاوز قصة الانتصار على المرض
تأتي أهمية «هوكينج.. حياته وعمله» من أنه يعيد النظر في واحدة من أكثر الشخصيات العلمية شهرة في العقود الأخيرة، جامعًا بين قصة الإنجاز العلمي وظروف الحياة الشخصية والعلاقات التي أسهمت في تشكيل مسيرته.
فالكتاب لا يتعامل مع المرض باعتباره التفسير الوحيد لتميز هوكينج، ولا يجعل الشهرة دليلًا كافيًا على صحة كل آرائه ومواقفه، بل يضع أبحاثه في سياقها العلمي، ويعرض علاقاته الإنسانية بما فيها من دعم وتوتر، ويطرح أسئلة عن الطموح والمنافسة والاعتراف بجهود الآخرين.
وبينما تظل إسهاماته في دراسة الثقوب السوداء وعلم الكونيات جزءًا مهمًا من تاريخ الفيزياء الحديثة، فإن السيرة تذكر القارئ بأن فهم الشخصيات المؤثرة يتطلب النظر إلى أكثر من جانب، وأن الاعتراف بإنجازاتها لا يستلزم تجاهل عيوبها.
وبذلك يقدم فارميلو عملًا يتجاوز الحكاية المألوفة عن عالم تحدى توقعات الأطباء وأصبح رمزًا عالميًا، ليقترب من صورة أكثر اكتمالًا لستيفن هوكينج: العالم الذي ساعد في توسيع حدود المعرفة الإنسانية، والإنسان الذي ظلت حياته، مثل أفكاره، أكثر تعقيدًا من الصورة التي عرفه بها العالم.