بروفايل

أحمد بن سليم.. الشاعر الذي جمع بين القصيدة والتاريخ والعمل العام

لم يكن أحمد بن سلطان بن سليم الفلاسي شاعراً انشغل بالقصيدة وحدها، بل كان واحداً من رواد الحياة الثقافية والفكرية في الإمارات، جمع بين الأدب والإعلام والعمل الصحفي والسياسي، وترك بصمة امتدت من المشهد الشعري إلى مؤسسات الدولة الناشئة. فقد حمل اهتمامه بالمعرفة وتاريخ المنطقة إلى مختلف محطات حياته، ليصبح نموذجاً للمثقف الذي لم يفصل بين إبداعه الأدبي ومسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه.

من المدرسة الأحمدية إلى رحاب الثقافة العربية

وُلد أحمد بن سلطان بن سليم في دبي أواخر القرن التاسع عشر، وتختلف المصادر حول تحديد عام ميلاده؛ إذ تشير بعض المراجع إلى عام 1900، فيما تذكر أخرى عام 1893، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والتجارة، وأظهر منذ سنواته الأولى شغفاً بالقراءة والاطلاع ومتابعة الأحداث العربية والعالمية.

تلقى تعليمه في المدرسة الأحمدية، إحدى أبرز المؤسسات التعليمية في دبي آنذاك، حيث درس اللغة والشعر والحساب، وتتلمذ على أيدي عدد من المعلمين والعلماء، وبعد إتمام دراسته، عمل مع والده في التجارة، وكانت رحلاته إلى الخارج بوابته الأولى للتعرف إلى ثقافات مختلفة وتوسيع مداركه.

إذاعة دلهي.. محطة صنعت تجربة إعلامية وثقافية

شكّلت الهند محطة مهمة في مسيرته، إذ انتقل إليها في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وأقام فيها سنوات عدة، تعلم خلالها اللغة الإنجليزية، وعمل في القسم العربي بإذاعة عموم الهند في مدينة دلهي. وهناك، أتيحت له فرصة الاحتكاك بعدد من الأدباء والمثقفين العرب الذين كانوا يترددون على الهند، الأمر الذي أسهم في إثراء تجربته الفكرية والأدبية.

ولم يقتصر حضوره الإعلامي على العمل الإذاعي، فقد ارتبط بالصحافة العربية أيضاً، وعمل مراسلاً لمجلة «الشورى» التي كانت تصدر في القاهرة، ونشر كتابات وقصائد في منابر ثقافية عربية، من بينها مجلة «الشباب» التي أصدرها الأديب محمد علي الطاهر، وبذلك تجاوزت تجربته حدود المكان، وأصبح صوته الأدبي والإعلامي حاضراً في المشهد الثقافي العربي.

قلم يدافع عن عروبة الخليج

كان ابن سليم معنياً بتاريخ الخليج وهويته العربية، ولم يتعامل مع الكتابة بوصفها نشاطاً أدبياً منفصلاً عن قضايا المجتمع، وبرز ذلك في مقال نشره بمجلة «الشرق الأدنى» التي كانت تصدر في قبرص، رداً على طرح شكك في عروبة الخليج، مؤكداً انتماء المنطقة إلى محيطها العربي.

كما عُرف باهتمامه بتوثيق تاريخ المنطقة وأنسابها، ومتابعة التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها، وهو ما جعل تجربته تتجاوز حدود الشاعر إلى المثقف والباحث الذي سعى إلى حفظ الذاكرة المحلية وربطها بسياقها العربي.

بين الفصحى والنبطي.. قصائد تحفظ ذاكرة المكان

جمع أحمد بن سليم بين كتابة الشعر الفصيح والنبطي، وأظهر تمكناً من اللغة العربية وأوزان الشعر وقواعده، وتميزت قصائده بجزالة المفردات ورصانة التعبير والالتزام بالبناء الشعري التقليدي.

وتنوعت أغراضه بين الاعتزاز بالعروبة والإسلام، والوطنية، والغزل، والتعبير عن قضايا المجتمع، كما عكست بعض أعماله صلته الوثيقة بالمنطقة الخليجية واهتمامه بأحوالها. وقد أشاد عدد من المهتمين بتاريخ الأدب الإماراتي بتجربته، وعدّوه من الشعراء الرواد الذين أسهموا في تأسيس ملامح الحركة الشعرية المحلية، ورغم أن جانباً من إنتاجه لم يصل إلى الأجيال اللاحقة كاملاً، فإن ما حُفظ من قصائده يظل شاهداً على تجربته ومكانته الأدبية.

من العمل الإداري إلى أول حكومة اتحادية

عاد ابن سليم إلى دبي في أواخر عام 1947، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل العام، حيث تولى مسؤوليات إدارية، وعمل مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وتدرج في عدد من المناصب، من بينها رئاسة بلدية دبي وإدارة جماركها.

ومع اقتراب قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، كان من الشخصيات التي شاركت في الجهود والاجتماعات التأسيسية التي مهدت للاتحاد، وأسهم في تقريب وجهات النظر بين حكام الإمارات، وعقب إعلان قيام الدولة عام 1971، اختير ضمن أول تشكيل وزاري اتحادي، وتولى منصب وزير الدولة للشؤون المالية والاقتصادية، كما ترأس لجنة التراث والتاريخ، في امتداد لاهتمامه القديم بتوثيق تاريخ المنطقة وصون موروثها.

رحيل الشاعر وبقاء الأثر

في 29 أكتوبر 1976، رحل أحمد بن سلطان بن سليم في الهند، بعد مسيرة جمعت بين الشعر والإعلام والتاريخ والعمل الوطني، تاركاً تجربة متعددة الجوانب في مرحلة كانت فيها الإمارات تشهد تحولات كبرى على المستويين الثقافي والسياسي.

لم يكن إرث ابن سليم محصوراً في قصائده أو المناصب التي شغلها، بل امتد إلى نموذج المثقف الذي حمل قلمه إلى الصحافة والإذاعة، وشارك بخبرته في بناء مؤسسات الدولة، وظل وفياً لاهتمامه بتاريخ وطنه وهويته. وهكذا بقي اسمه ضمن ذاكرة الرواد الذين أسهموا في تشكيل ملامح الحياة الأدبية والعامة في الإمارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *