على مدى سنوات، ظلت سيرة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي الأسبق وأحد أبرز الآباء المؤسسين لدولة الإمارات العربية المتحدة، حاضرة في عدد من الكتب التي سعت إلى توثيق جوانب مختلفة من شخصيته ومسيرته، من نشأته وحياته الخاصة، إلى رؤيته لتطوير دبي، ودوره في تأسيس الاتحاد، وصولًا إلى حضوره في الصحافة العربية.
وتكشف هذه الإصدارات، رغم اختلاف مؤلفيها ومناهجها، عن شخصية ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية في تاريخ دبي والإمارات، إذ لم تقتصر تجربته على إدارة إمارة، وإنما امتدت إلى بناء مؤسسات ومشروعات أسهمت في انتقال دبي من مرحلة إلى أخرى، بالتوازي مع مشاركته في تأسيس دولة الإمارات.
ومن بين أبرز الكتب التي تناولت سيرته ومسيرته:
«راشد بن سعيد آل مكتوم.. الوالد والباني».. سيرة واسعة لشخصية صنعت مرحلة
يأتي كتاب «راشد بن سعيد آل مكتوم.. الوالد والباني» للكاتب غريم ويلسون في مقدمة الكتب التي تناولت سيرة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.
صدر الكتاب عام 1999 عن «ميديا بريما» في دبي، ويقع في 239 صفحة، ويحمل طابعًا توثيقيًا وسيريًا، من خلال تناول حياة الشيخ راشد ومسيرته وما ارتبط بها من تحولات شهدتها دبي.
ويأخذ الكتاب قارئه إلى سنوات الشيخ راشد الأولى، ثم إلى مرحلة توليه الحكم في دبي، وما شهدته الإمارة خلال عهده من تحولات متسارعة، مع التركيز على رؤيته في التعامل مع تحديات المرحلة، ومشروعات البنية الأساسية التي أصبحت لاحقًا من ركائز نمو دبي.
ويحضر في الكتاب كذلك الجانب الإنساني من شخصية الشيخ راشد، باعتباره حاكمًا ارتبط اسمه بأهل دبي ومجتمعها، إلى جانب دوره السياسي والاقتصادي، وهو ما يفسر اختيار عنوان «الوالد والباني» للدلالة على جانبي شخصيته: الأب والقائد من ناحية، وصاحب مشروع البناء والتنمية من ناحية أخرى.
«راشد الأسطورة».. جذور آل مكتوم وتاريخ دبي
وفي كتاب آخر للكاتب غريم ويلسون، جاء عنوان «راشد الأسطورة.. جذور آل مكتوم وتاريخ دبي»، ليضع شخصية الشيخ راشد في سياق أوسع من مجرد السيرة الشخصية.
فالكتاب يربط بين جذور أسرة آل مكتوم وتاريخ دبي وبين المسيرة التي قادها الشيخ راشد، بما يسمح بقراءة تجربته ضمن التحولات التي مرت بها الإمارة والمنطقة.
وهذه الزاوية تمنح الكتاب أهمية خاصة؛ إذ لا ينظر إلى الشيخ راشد بمعزل عن البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نشأ فيها، وإنما يحاول وضع تجربته ضمن مسار تاريخي أوسع، وصولًا إلى مرحلة بناء دبي الحديثة.
وتتداخل في هذه القراءة قصة الأسرة الحاكمة مع قصة الإمارة نفسها، لتصبح سيرة الشيخ راشد جزءًا من تاريخ دبي وتحولاتها الكبرى.
«راشد.. رجل وراء نهضة دبي».. الحاكم ومشروع التنمية
أما كتاب «راشد.. رجل وراء نهضة دبي» للكاتب عباس عبدالله مكي، فيتجه بصورة مباشرة إلى واحدة من أكثر الزوايا التصاقًا باسم الشيخ راشد: دوره في نهضة دبي.
ويستند تناول تجربة الشيخ راشد في هذا السياق إلى مجموعة من المشروعات والتحولات التي ارتبطت بعصره، وفي مقدمتها تطوير البنية التحتية، وتعزيز مكانة دبي التجارية، والاهتمام بالمرافق الحيوية التي ساعدت الإمارة على الانفتاح على العالم.
وكان تعميق خور دبي وإنشاء مطار دبي وتأسيس وتطوير الدوائر الحكومية من أبرز المحطات التي ارتبطت بمرحلة بناء الإمارة الحديثة، وهي محطات تظهر كذلك في مصادر صحفية وتاريخية تناولت تجربة الشيخ راشد.
ومن هنا تبدو فكرة «الرجل وراء النهضة» مدخلًا مناسبًا لقراءة تجربة الشيخ راشد باعتباره صاحب رؤية تنموية تجاوزت حدود الحاضر، وركزت على تأسيس مقومات يمكن أن تستمر وتكبر مع مرور السنوات.
«مشاهد من فكر وحياة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم».. الإنسان وراء الحاكم
وفي عام 2015، صدر كتاب «مشاهد من فكر وحياة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم» للمستشار إبراهيم محمد بوملحة، عن جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، ويقع في نحو 445 صفحة.
ويتميز الكتاب بمحاولة الاقتراب من شخصية الشيخ راشد من أكثر من جانب؛ فيبدأ بالتعريف بحكام آل مكتوم، ثم يتناول نسب الشيخ راشد ووالديه وتعليمه وزواجه وأبناءه، قبل الانتقال إلى مراحل من حياته العملية والفكرية.
ويتوقف المؤلف عند عدد من الملامح التي شكلت شخصية الشيخ راشد، من مجلسه وبساطته وعلاقته بالناس، إلى اهتمامه بالتجارة، ورؤيته لتطوير دبي، وتعميق خور دبي، والمشروعات التي ارتبطت بمرحلة حكمه، إضافة إلى نظرته للأمن وتطلعاته الوطنية والقومية، ودوره في تأسيس الاتحاد.
كما يخصص الكتاب جانبًا لحضور الشيخ راشد في وجدان الناس، وصولًا إلى مرضه ووفاته، لتتحول السيرة من مجرد سرد لمحطات سياسية واقتصادية إلى محاولة لرسم صورة أكثر اكتمالًا للإنسان والحاكم.
وفي تقديمه للكتاب، وصف الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والده بأنه شخصية تاريخية على مستوى دبي والإمارات والعالم العربي والإسلامي والدولي، مشيرًا إلى ما اتصف به من فكر وبعد نظر وصبر وحكمة، وإلى دوره مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في وضع فكرة اتحاد دولة الإمارات وتنفيذها.
«الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم».. سيرة الشخصية والمحطات
ومن بين الإصدارات التي حملت اسم الشيخ راشد مباشرة كتاب «الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم» للكاتب إسلام السنهوري، وهو عنوان ينضم إلى مجموعة الكتب التي خصصت أعمالها لتوثيق شخصية حاكم دبي ومسيرته.
ويأتي هذا النوع من الكتب ضمن جهود كتابة سير الشخصيات الإماراتية التي أسهمت في تأسيس الدولة وتطوير مؤسساتها، من خلال جمع المحطات الرئيسية في حياة الشيخ راشد وربطها بالتطورات التي شهدتها دبي والإمارات خلال العقود التي سبقت قيام الاتحاد وبعده.
«الشيخ راشد.. محطات وصور في الصحافة العربية».. عندما تتحدث الصحافة عن راشد
ويختلف كتاب «الشيخ راشد.. محطات وصور في الصحافة العربية» للكاتب محمد عبدالله المنصوري عن معظم الإصدارات السابقة في منهجه؛ فهو لا يعتمد فقط على سرد السيرة، وإنما يعود إلى أرشيف الصحافة العربية لاستعادة صورة الشيخ راشد كما ظهرت في الأخبار والحوارات والتغطيات الصحفية.
صدر الكتاب عام 2024 ضمن سلسلة «رواد الاتحاد»، عن مركز أبوظبي للغة العربية بالتعاون مع مكتبة محمد بن راشد، ويقع في 149 صفحة.
وجاء الكتاب حصيلة رحلة بحث امتدت لنحو ربع قرن، جمع خلالها المنصوري مواد صحفية وأرشيفية نادرة من الصحف والمجلات، بما فيها أخبار وحوارات تناولت الشيخ راشد ومراحل مختلفة من حياته السياسية ومسيرته في الحكم.
ويقدم الكتاب ثلاث مراحل رئيسية؛ تبدأ بنشأة دبي وتطورها منذ تولي الشيخ راشد مقاليد الحكم، وما ارتبط بذلك من مشروعات مثل تعميق خور دبي ومطار دبي وتأسيس الدوائر الحكومية، ثم ينتقل إلى بدايات رحلة الاتحاد، قبل أن يتناول مرحلة تولي الشيخ راشد رئاسة مجلس الوزراء وبداية مرحلة جديدة من العمل الاتحادي.
وبذلك يتحول أرشيف الصحافة إلى شاهد على مرحلة تاريخية كاملة، وليس فقط إلى مصدر لسرد سيرة رجل واحد.
6 كتب.. وشخصية واحدة من زوايا متعددة
وتكشف هذه الكتب مجتمعة أن شخصية الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم لم تُقرأ من زاوية واحدة؛ فهناك من تناول سيرته الشخصية، ومن ركز على نهضة دبي، ومن اهتم بفكره ومجلسه وعلاقته بالمجتمع، ومن وضعه في سياق تاريخ آل مكتوم وتطور الإمارة، بينما اختار آخرون الصحافة العربية باعتبارها نافذة على صورته ومواقفه في زمنها.
وتتقاطع هذه القراءات عند محطات أساسية في تجربته، أبرزها تطوير دبي، وتعزيز مكانتها التجارية، وتأسيس مشروعات البنية الأساسية، وبناء المؤسسات الحكومية، ثم المشاركة في رحلة تأسيس اتحاد دولة الإمارات إلى جانب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه الحكام المؤسسين.
ولعل ما يجعل سيرة الشيخ راشد قابلة لإعادة القراءة بعد عقود من رحيله هو أن نتائج القرارات التي اتخذها لم تتوقف عند زمنه؛ فالمشروعات التي بدأت في عهده أصبحت جزءًا من البنية التي قامت عليها دبي الحديثة، فيما ظل دوره في قيام الاتحاد حاضرًا في ذاكرة الدولة.
ومن ثم، فإن الكتب التي تناولت الشيخ راشد لا تقدم سيرة رجل فحسب، وإنما تقدم في مجموعها فصولًا من تاريخ دبي والإمارات؛ من الإمارة التي كانت تتلمس طريقها إلى التنمية، إلى الدولة التي تأسست على رؤية مشتركة بين رجال آمنوا بأن بناء المستقبل يبدأ من تأسيس الإنسان والمؤسسة والمشروع.
وبين عنوان «الوالد والباني»، و«رجل وراء نهضة دبي»، و«راشد الأسطورة»، و«مشاهد من فكر وحياة الشيخ راشد»، و«الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم»، و«محطات وصور في الصحافة العربية»، تتشكل صورة متعددة الأبعاد لرجل ارتبط اسمه بمرحلة من أكثر مراحل تاريخ الإمارات تأثيرًا، وبقيت تجربته حاضرة في الكتب والوثائق والصحافة وذاكرة الأجيال.

