«سيرة حياة.. سيرة وطن».. عائشة السيار تروي سيرة امرأة وسيرة وطن

«سيرة حياة.. سيرة وطن».. عائشة السيار تروي سيرة امرأة وسيرة وطن

حين تكتب امرأة عاشت البدايات عن تجربتها، فإنها لا تستعيد تفاصيل حياتها وحدها، وإنما تستعيد معها ملامح مجتمع ووطن تشكلت ملامحهما تدريجيًا عبر سنوات طويلة. ومن هذه الزاوية يأتي كتاب الدكتورة عائشة علي السيار «سيرة حياة.. سيرة وطن»، الصادر في طبعته الأولى عام 2018 عن دار «مداد» للنشر والتوزيع، ليقدم سيرة ذاتية تتقاطع فيها الحياة الشخصية مع تاريخ الإمارات ومسيرة نهضتها.

فالكتاب، الذي يقع في 239 صفحة، لا يكتفي بتتبع محطات حياة المؤلفة، وإنما يفتح نافذة على المجتمع الإماراتي في النصف الأول من القرن الماضي، خصوصًا في الشارقة، وما شهده من عادات وتقاليد وتحولات اجتماعية وثقافية، بالتزامن مع بدايات الانتقال نحو الحداثة، وفي مقدمتها تطور التعليم وظهور البعثات التعليمية العربية في الشارقة ومناطق أخرى من الإمارات.

وتبدو خصوصية «سيرة حياة.. سيرة وطن» في أن السيار لا تفصل بين مسيرتها الشخصية ومسيرة الدولة؛ فكل محطة في حياتها تبدو مرتبطة بمرحلة من مراحل التحول الإماراتي، بداية من سنوات الطفولة والدراسة، مرورًا بالعمل في مجال التعليم، وصولًا إلى مشاركتها في العمل العام وتمثيل الدولة في عدد من المؤتمرات والمحافل الدولية.

وتقسم المؤلفة كتابها إلى خمسة فصول، يبدأ أولها بـ«من ذاكرة المكان»، حيث تعود إلى أنماط الحياة في إمارات الساحل المتصالحة، وتتناول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب ذكريات طفولتها في الشارقة ومناطق أخرى. ثم يأتي فصل «على مقاعد الدراسة»، الذي يرصد رحلتها التعليمية، من المراحل الأولى إلى الثانوية العامة في الكويت، ثم دراستها الجامعية في القاهرة، حيث اتسعت تجربتها وانفتحت على الحياة العامة والوسط الثقافي.

أما الفصل الثالث، «وزارة التربية والتعليم.. 1973 – 1998»، فيتحول فيه الكتاب من السيرة الشخصية إلى التوثيق لتجربة بناء المؤسسات التعليمية في الإمارات، متناولًا تأسيس وزارة التربية والتعليم وتطور قطاعاتها، ومن بينها الخدمة الاجتماعية والأنشطة التربوية.

وفي هذا الفصل أيضًا تتوقف السيار عند محطة شديدة الأهمية في حياتها، وهي لقاؤها الأول بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي شجعها على الانخراط في العمل العام، وتستعيد من خلاله رؤى وتوجيهات ارتبطت ببناء الإنسان والمواطن وتعزيز مكانة الوطن.

وتمنح المرأة الإماراتية ومسيرة نهضتها مساحة واسعة من الكتاب، إذ يتناول الفصل الرابع تطور العمل النسائي في الدولة، ويوثق جهود الشيخة فاطمة بنت مبارك في مسيرة العمل الاجتماعي، إلى جانب تجربة المؤلفة نفسها وإسهاماتها في مجالات التعليم والعمل العام. كما يستعرض مشاركاتها في لقاءات ومؤتمرات دولية، بينها مؤتمرات في ألمانيا والمكسيك، ومؤتمر المؤرخين العرب، وغيرها.

ويعود الفصل الخامس إلى الشارقة، تحت عنوان «للشارقة أعود»، ليستعرض التحولات التعليمية والثقافية التي شهدتها الإمارة، ويتوقف عند مشروع الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الثقافي، وكذلك تجربة الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي في دعم المرأة والفتيات من خلال المؤسسات والأندية النسائية، ومنها نادي المنتزه للفتيات وأندية فتيات الشارقة التي أصبحت لاحقًا نادي سيدات الشارقة.

ولا يخلو الكتاب من التفاصيل التي تمنحه قيمة وثائقية خاصة؛ إذ يضم ألبومًا من الصور التي توثق محطات في حياة الكاتبة، ولقاءاتها بعدد من الشيوخ والشخصيات، إلى جانب صور من سنوات دراستها في مصر. وهنا تتحول السيرة من نص شخصي إلى مادة تساعد في قراءة جانب من تاريخ الإمارات الاجتماعي والتعليمي والوطني.

وتبرز تجربة التعليم باعتبارها الخيط الأوضح الذي يربط فصول الكتاب. فقد بدأت عائشة السيار رحلتها التعليمية في وقت كانت فيه منظومة التعليم في الإمارات لا تزال في مراحلها المبكرة، ثم أصبحت أول مدرسة تاريخ وجغرافيا في ثانوية الزهراء بالشارقة بعد تخرجها في جامعة عين شمس عام 1969، قبل أن تواصل دراستها العليا وتحصل على الماجستير في التاريخ، ثم الدكتوراه عام 1983 عن أطروحة تناولت التشكيل السياسي لدولة الإمارات من 1892 إلى 1971.

ومن المدرسة انتقلت السيار إلى مواقع أوسع في العمل التربوي والوطني، حتى أصبحت أول وكيل وزارة لأنشطة التربية والتعليم عام 1983، كما تولت رئاسة مجلس سيدات الأعمال، وشاركت في جهود مرتبطة بالنهضة النسائية ومحو الأمية، ومثلت الإمارات في مؤتمرات دولية، من بينها المؤتمر الدولي للسنة العالمية للمرأة في المكسيك عام 1975، وصولًا إلى مؤتمر بكين عام 1995.

ولذلك يمكن قراءة «سيرة حياة.. سيرة وطن» باعتباره كتابًا عن سيرتين في آن واحد: سيرة عائشة السيار، وسيرة وطن كانت تتحرك خطواته الأولى نحو التعليم والمؤسسات والعمل العام والنهضة النسائية. وهي الفكرة التي تختصرها المؤلفة في قولها إنها امرأة «تفتحت عيناها طفلة، وفتاة، على وطن يشق مساره على طريق النهضة والتقدم»، وأن خطواتها في العمل والحياة ترافقت مع خطوات الوطن.

وفي خاتمة الكتاب، تعود السيار مرة أخرى إلى التعليم، الذي ظل محورًا أساسيًا في تجربتها، لتؤكد أهميته باعتباره نافذة للتقدم والارتقاء، وتدعو إلى بناء منظومة تعليمية متكاملة ومرنة ومتنوعة تفتح فرصًا أكبر أمام أجيال المستقبل.

وهكذا تكتسب السيرة قيمتها من كونها لا تتوقف عند «ماذا حدث في حياة عائشة السيار؟»، بل تمتد إلى سؤال أوسع: كيف عاشت امرأة إماراتية مرحلة التحولات الكبرى، وكيف انتقلت من مقاعد الدراسة إلى ميدان التعليم والعمل الوطني، وكيف تزامنت رحلتها الشخصية مع بناء مؤسسات الدولة وصعود دور المرأة فيها؟

وإذا كانت الكتابة عن الوطن كثيرًا ما تأتي من موقع المؤرخ أو الباحث، فإن «سيرة حياة.. سيرة وطن» تقدم زاوية مختلفة؛ زاوية امرأة كانت جزءًا من الأحداث نفسها، وعاشت مراحلها، وأسهمت في بعضها، ثم عادت لترويها من ذاكرتها وتجربتها.

بروفايل | عائشة السيار.. سيرة امرأة في قلب مسيرة التعليم الإماراتي

الدكتورة عائشة علي السيار من الشخصيات الإماراتية التي ارتبط اسمها بالتعليم والعمل العام والنهضة النسائية. نشأت في بيت يقدر العلم، وكانت من أوائل الفتيات اللاتي واصلن تعليمهن في المراحل المختلفة منذ العام الدراسي 1953-1954.

تخرجت في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز عام 1969، وعادت إلى الإمارات لتعمل أول مدرسة تاريخ وجغرافيا في ثانوية الزهراء بالشارقة. ثم حصلت على الماجستير في التاريخ عام 1973، وواصلت دراستها حتى حصلت على الدكتوراه عام 1983 عن أطروحة بعنوان «التشكيل السياسي لدولة الإمارات من 1892 لغاية 1971».

عملت في وزارة التربية والتعليم، وتدرجت في مواقع المسؤولية حتى أصبحت أول وكيل وزارة لأنشطة التربية والتعليم عام 1983، كما تولت رئاسة مجلس سيدات الأعمال، وأسهمت في ملفات التعليم والنهضة النسائية ومحو الأمية.

وشاركت السيار في عدد من المحافل الدولية، من بينها المؤتمر الدولي للسنة العالمية للمرأة في المكسيك عام 1975، ومؤتمر نيروبي، وصولًا إلى مؤتمر بكين عام 1995. كما ارتبطت تجربتها بجهود تأسيس وتطوير العمل النسائي في الإمارات.

وفي إطار تكريم رموز الدولة، اختيرت ضمن قائمة الـ43 رمزًا إماراتيًا التي كرمها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لتصبح ضمن الشخصيات التي ارتبطت مسيرتها بعقود من العمل في التعليم والمعرفة وخدمة الوطن.

Chat Icon