توفي الكاتب البريطاني الشهير جيفري آرتشر عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد مسيرة امتدت لنحو خمسة عقود، جمع خلالها بين النجاح الأدبي والحياة السياسية المثيرة للجدل، قبل أن تنتهي مسيرته السياسية بحكم بالسجن على خلفية إدانته بالكذب في قضية تشهير حظيت باهتمام واسع في بريطانيا.
وأعلنت دار «هاربر كولينز» وفاة آرتشر، مشيرة إلى أنه رحل بشكل مفاجئ وهادئ، بينما كان يواصل الكتابة، وذلك قبل يوم واحد من الموعد المقرر لصدور روايته الأخيرة «آدم وحواء» عالميًا.
وقالت كيت إلتون، الرئيسة التنفيذية لـ«هاربر كولينز» في المملكة المتحدة ومحررة أعمال آرتشر، إن الدار فقدت كاتبًا «جلب السعادة لأجيال من القراء»، ووصفته بأنه كان صديقًا حقيقيًا.
أكثر من 300 مليون نسخة
يُعد جيفري آرتشر واحدًا من أكثر الروائيين البريطانيين مبيعًا في العصر الحديث، إذ تجاوزت مبيعات كتبه 300 مليون نسخة حول العالم، وصدرت أعماله في 119 دولة.
كما أمضى أكثر من 14 عامًا على قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة «صنداي تايمز»، وأكثر من 5 سنوات على قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعًا.
بدأ آرتشر مسيرته الروائية عام 1976 مع رواية «ليس بنسًا أكثر، وليس بنسًا أقل»، التي حققت نجاحًا كبيرًا، وتناولت قصة مجموعة من الرجال الذين يسعون لاستعادة أموال خسروا جزءًا منها في عملية احتيال.
وتأثر آرتشر في كتابة الرواية بتجربة مالية شخصية، بعدما واجه أزمة مالية كادت تدفعه إلى الإفلاس نتيجة استثمارات لم تسر كما خطط لها.
«كاين وهابيل».. العمل الأشهر
في عام 1979، أصدر آرتشر روايته الأشهر «كاين وهابيل»، التي أصبحت واحدة من أبرز أعماله وأكثرها انتشارًا.
تدور الرواية حول شخصيتين وُلدتا في اليوم نفسه، لكنهما تنتميان إلى عالمين اجتماعيين مختلفين تمامًا، إذ يبدأ أحدهما حياته في أسرة ثرية، بينما ينشأ الآخر في ظروف متواضعة، قبل أن تتقاطع حياتاهما في صراع طويل يمتد عبر عقود.
واستطاع آرتشر من خلال الرواية أن يمزج بين الصراع الطبقي والطموح والانتقام والنجاح، وهي عناصر أصبحت من السمات المميزة لأسلوبه الروائي.
من السياسة إلى السجن
لم يكن الأدب المجال الوحيد الذي برز فيه آرتشر؛ فقد كان شخصية سياسية بارزة داخل حزب المحافظين البريطاني.
شغل مقعدًا في البرلمان لفترة، ثم صعد داخل الحزب، ووصل إلى مواقع قيادية خلال فترة حكم رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر. وفي عام 1992، عُيّن عضوًا في مجلس اللوردات على يد رئيس الوزراء جون ميجور.
لكن المسيرة السياسية التي بدت واعدة تعرضت لانهيار كبير بسبب واحدة من أشهر القضايا القضائية التي ارتبط اسمه بها.
ففي عام 1987، رفع آرتشر دعوى تشهير ضد صحيفة «ديلي ستار»، بعدما نشرت اتهامًا له بدفع أموال لامرأة مقابل ممارسة الجنس. وفاز بالقضية وحصل على تعويض قياسي في ذلك الوقت بلغ 500 ألف جنيه إسترليني.
لكن القضية عادت إلى الواجهة بعد أكثر من عقد، عندما كان آرتشر يستعد لخوض انتخابات عمدة لندن عام 1999.
واتهمه صديق سابق بالكذب بشأن الوقائع التي قدمها أمام المحكمة في قضية التشهير القديمة، لتبدأ تحقيقات انتهت باتهامه بالحنث باليمين وعرقلة سير العدالة.
وفي عام 2001، أُدين آرتشر وحُكم عليه بالسجن أربع سنوات، قضى منها أكثر من عامين قبل الإفراج عنه في 2003.
السجن يتحول إلى أدب
حتى خلف القضبان، لم يتوقف آرتشر عن الكتابة، بل حوّل تجربته داخل السجون البريطانية إلى عمل أدبي وتوثيقي.
وأصدر سلسلة «مذكرات السجن» (A Prison Diary) في ثلاثة أجزاء، حملت عناوين «الجحيم»، و«المطهر»، و«الجنة».
وثّق آرتشر في هذه الكتب تجربته الشخصية داخل السجن، وقدم صورة عن حياة السجناء والنظام العقابي في بريطانيا، مستندًا إلى الفترة التي قضاها في مؤسسات سجنية مختلفة، من بينها سجن بلمارش شديد الحراسة ومعسكر نورث سي، وهو سجن مفتوح.
وأصبحت السلسلة واحدة من أكثر الأعمال إثارة للاهتمام في مسيرته، لأنها قدمت جانبًا مختلفًا من الكاتب الذي عرفه الجمهور من خلال الروايات التجارية واسعة الانتشار.
السياسة تعود إلى أعماله الأدبية
رغم سقوطه السياسي، ظل آرتشر مهتمًا بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وظهرت بعض هذه الموضوعات في أعماله الأدبية.
وكان من بين القضايا التي دافع عنها قبل سجنه تعديل قوانين وراثة العرش البريطاني، بما يضمن المساواة بين الأبناء والبنات في ترتيب خلافة العرش.
وأصبحت هذه الجهود لاحقًا من بين الأفكار التي ارتبطت بإصلاح قوانين الخلافة، وصولًا إلى قانون خلافة التاج لعام 2013، الذي أنهى تقليد تفضيل الأبناء الذكور الأصغر سنًا على البنات الأكبر سنًا في ترتيب وراثة العرش.
«آدم وحواء».. الرواية الأخيرة
كان آرتشر يستعد لصدور روايته الأخيرة «آدم وحواء»، التي كان من المقرر طرحها عالميًا في اليوم التالي لوفاته.
وتدور الرواية حول شخصيتين تحملان اسمي آدم وحواء، وُلد كل منهما في اليوم نفسه، لكنهما ينتميان إلى طبقتين اجتماعيتين مختلفتين.
تتناول الرواية قصة ابنة إيرل كان والدها يرغب في إنجاب ابن حتى يرث ممتلكاته، إلى جانب ابن راعٍ كان والده يتمنى أن يكون لديه ابنة، لأنه يعرف أن الابن قد يُرسل إلى الحرب.
ومن خلال قصة حب تدور في أجواء الحرب، يواصل آرتشر في عمله الأخير تناول قضايا الطبقة الاجتماعية وعدم المساواة بين الجنسين، وهي موضوعات ظهرت بأشكال مختلفة في عدد من أعماله السابقة.
ووصف آرتشر رواية «آدم وحواء» بأنها «أكثر عمل شعرت بالرضا عن كتابته» خلال مسيرته.
أبرز أعمال جيفري آرتشر
ترك آرتشر وراءه عشرات الأعمال التي حققت انتشارًا واسعًا، ومن أبرزها:
«ليس بنسًا أكثر، وليس بنسًا أقل» (1976): روايته الأولى التي حققت نجاحًا كبيرًا، وتدور حول محاولة مجموعة من الرجال استعادة أموال خسروها في عملية احتيال.
«كاين وهابيل» (1979): أشهر رواياته، وتتناول الصراع بين رجلين ينتميان إلى خلفيتين اجتماعيتين مختلفتين.
«ابنة أخت كين»: عمل ينتمي إلى عالم الإثارة والتشويق الذي اشتهر به آرتشر.
«ابن الحظ» (A Matter of Honour): رواية تمزج بين السياسة والأسرار والصراعات الدولية.
«كما يطير الغراب» (As the Crow Flies): رواية تمتد أحداثها عبر أجيال وتتناول الصعود الاجتماعي والطموح.
«شرف بين اللصوص» (Honour Among Thieves): رواية سياسية تتداخل فيها المؤامرات والصراعات الدولية.
«المسألة ببساطة» (A Quiver Full of Arrows): مجموعة قصصية من أعماله المعروفة.
«مذكرات السجن» (A Prison Diary): ثلاثية غير روائية وثّق فيها تجربته داخل السجن البريطاني.
«آدم وحواء» (Adam and Eve): روايته الأخيرة، التي صدرت بعد وفاته، وتتناول الحب والحرب والفوارق الطبقية والنوع الاجتماعي.
مسيرة بين النجاح والسقوط
مثّلت حياة جيفري آرتشر نموذجًا استثنائيًا لشخصية عامة جمعت بين الأدب والسياسة والمال والمحاكم والسجن، لكنه تمكن، رغم أزماته، من الحفاظ على مكانته كواحد من أكثر الكتاب البريطانيين مبيعًا.
وبعد خروجه من السجن، عاد إلى الكتابة والحياة العامة، وظل عضوًا مستقلًا في مجلس اللوردات حتى تقاعده من المجلس عام 2024.
ورحل آرتشر تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا واسعًا، وملايين القراء حول العالم، ومسيرة شخصية وسياسية لا تقل إثارة عن كثير من قصصه الروائية.

