على مدار عقود، استطاعت الفنانة الإماراتية الدكتورة نجاة مكي أن تحجز لنفسها مكانة بارزة في تاريخ الفن التشكيلي الإماراتي والعربي، حوّلت علاقتها المبكرة بالألوان والبيئة المحلية إلى تجربة فنية متفردة جمعت بين التراث والحداثة، وانتقلت من استلهام مفردات المجتمع الإماراتي إلى عوالم أكثر تجريدًا وانفتاحًا على التجريب، وبفضل مسيرتها الطويلة وإسهاماتها في تطوير الحركة الفنية المحلية، أصبحت مكي واحدة من أبرز رائدات الفن التشكيلي في الإمارات.
البدايات.. شغف مبكر بالألوان
وُلدت نجاة مكي في بر دبي عام 1956، ونشأت في بيئة شكّلت حسها البصري منذ الطفولة، فكانت ذاكرة الطفولة وحكايات الجدات والخليج والصحاري من أهم مصادر إلهامها، حيث تشير سيرتها إلى أن موهبتها ظهرت في المدرسة الابتدائية، وخاصة في حصص التربية الفنية، حيث شجعتها معلمتها على الالتحاق بكلية الفنون الجميلة.
وفي عام 1977، أصبحت أول امرأة إماراتية تحصل على منحة حكومية لدراسة الفنون في الخارج، فسافرت إلى القاهرة والتحقت بكلية الفنون الجميلة، وتخرجت منها عام 1982، وحصلت على الماجستير في النحت البارز والمعدني، ثم الدكتوراه في فلسفة الفن عام 2001، وبذلك أصبحت أول إماراتية تحصل على درجة الدكتوراه في مجال الفن.
من التراث الإماراتي إلى التجريد
لم تكن تجربة نجاة مكي مجرد انعكاس للبيئة المحلية، بل تطورت عبر مراحل فنية متعددة، فبدأت بأعمال استلهمت الرموز المرتبطة بالثقافة والتراث الإماراتي، قبل أن تتجه تدريجيًا نحو التجريد، وبرز في أعمالها حضور اللون والرمز والشكل الإنساني، مع اهتمام خاص بصورة المرأة وما تحمله من دلالات اجتماعية ووجدانية.
ومع مرور السنوات، اتجهت إلى بناء أعمال أكثر تجريدًا وتعددًا في الطبقات والخامات، محاولةً خلق علاقة حسية بين اللون والذاكرة والمكان، ومن أبرز معارضها الفردية “علامات فارقة” في متحف الشارقة للفنون عام 2011، وفي معرضها “أطياف المسك” عام 2023 في غاليري عائشة العبار بدبي، واصلت هذا الاتجاه برصّ طبقات الألوان فوق بعضها لخلق تجارب حسية مكثفة.
حضور عربي ودولي واسع
امتدت مشاركات نجاة مكي إلى معارض وملتقيات فنية داخل الإمارات وخارجها. عُرضت أعمالها في الجناح الوطني الإماراتي ببينالي البندقية عام 2015، وفي بينالي بكين الدولي عام 2016، وفي ملتقى الأقصر الدولي للتصوير عام 2014، وملتقى النحت الدولي في الصين عام 2008، كما شاركت في بينالي طهران عام 2002، وفي معرض الكتاب الدولي بفرانكفورت عام 2004، وأقامت في مدينة الفنون العالمية بباريس أربعة أشهر.
وشاركت كذلك في بينالي الشارقة في دوراته الأولى عام 1993 ثم 1995 و1997، وفي معارض جماعية مهمة تناولت تطور الفن الإماراتي، منها معرض “ثلاثة أجيال” في دار سوذبيز بلندن، الذي ضم أعمال اثني عشر فنانًا إماراتيًا يمثلون ثلاثة أجيال.
جوائز وتكريمات ترسخ الريادة
حصلت مكي على جوائز وتكريمات عدة خلال مسيرتها، منها جوائز من بينالي الشارقة وبينالي مجلس التعاون ومهرجان الباسل في سوريا، وجائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي في فرع الفنون، إلى جانب جائزة الدولة التقديرية في العلوم والآداب والفنون.
وفي سبتمبر 2023، تُوّجت مسيرتها الدولية بحصولها على وسام “فارس الآداب والفنون” من الحكومة الفرنسية، وتسلمته من السفير الفرنسي لدى الإمارات خلال معرض “أطياف المسك”، وكرّمتها جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بهذه المناسبة.
بصمة ممتدة في الفن الإماراتي
لم يقتصر حضور نجاة مكي على إنتاج الأعمال الفنية والمشاركة في المعارض، إذ ارتبط اسمها بالحركة التشكيلية الإماراتية وتطوير الثقافة البصرية، فهي عضو في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وجماعة أصدقاء الفن لدول الخليج وجماعة الجدار بالشارقة، وكانت عضوًا سابقًا في مجلس دبي الثقافي، وتظل تجربتها نموذجًا لمسيرة فنانة إماراتية أسهمت في ترسيخ حضور الفن المحلي على الساحة الدولية.
وبين اللون والذاكرة والتراث والتجريد، تواصل نجاة مكي تقديم تجربة فنية تتجاوز حدود اللوحة، وتحمل في جوهرها حوارًا مستمرًا بين الماضي والحاضر، وبين خصوصية المكان والانفتاح على العالم.

