علي الوردي.. المفكر الذي قرأ المجتمع العربي بعيدًا عن المثاليات

علي الوردي.. المفكر الذي قرأ المجتمع العربي بعيدًا عن المثاليات

علي الوردي

لم يكن علي الوردي مجرد عالم اجتماع عراقي انشغل بدراسة المجتمع وتفسير سلوك أفراده، بل تحول مع الوقت إلى واحد من أكثر المفكرين العرب إثارة للنقاش، بعدما قدم قراءة مختلفة للشخصية العربية، وابتعد في كتاباته عن التصورات المثالية التي تفترض أن الإنسان يتصرف دائمًا وفق ما يقوله أو يؤمن به.

وُلد علي حسين الوردي في بغداد عام 1913، ونشأ في بيئة اجتماعية متواضعة، قبل أن يبدأ رحلة علمية قادته إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة تكساس عام 1950. وبعد عودته إلى العراق، عمل أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة بغداد، وظل حاضرًا في الحياة الفكرية العراقية والعربية من خلال كتبه ومحاضراته ودراساته.

الإنسان بين ما يقول وما يفعل

انشغل الوردي بصورة أساسية بالتناقضات التي تحكم سلوك الإنسان والمجتمع. وكان يرى أن الفرد قد يحمل مجموعة من القيم والمبادئ، لكنه في مواقف مختلفة يتصرف بطريقة لا تتفق بالضرورة مع ما يعلنه.

ومن هنا جاءت اهتماماته بما سماه «التناشز الاجتماعي»، أي حالة التناقض بين ما يقوله الإنسان وما يفعله، وبين القيم التي يعلنها والسلوك الذي يمارسه. ولم يكن الوردي يتعامل مع هذه التناقضات باعتبارها ظاهرة فردية فحسب، وإنما حاول ربطها بالبيئة الاجتماعية والتاريخية التي يعيش فيها الإنسان.

وفي كتابه الأشهر «وعاظ السلاطين»، دخل الوردي في مواجهة مباشرة مع بعض الخطابات الوعظية والاجتماعية، منتقدًا الفجوة بين المثال الذي تقدمه بعض الخطب عن الإنسان وبين الواقع الذي يعيش فيه الناس.

«وعاظ السلاطين».. الكتاب الذي أثار الجدل

شكّل «وعاظ السلاطين» محطة أساسية في مسيرة الوردي الفكرية. فالكتاب لم يكن دراسة أكاديمية جافة، وإنما جاء بلغة مباشرة وحادة، ناقش فيها العلاقة بين الوعظ والسلطة والمجتمع، وانتقد استخدام الخطاب الأخلاقي أحيانًا لتبرير واقع سياسي واجتماعي قائم.

وأثارت أفكار الكتاب جدلًا واسعًا، وهو ما أصبح سمة ملازمة لعدد من مؤلفات الوردي. فقد كان يكتب للقارئ العام بقدر ما كان يكتب للمتخصص، مستخدمًا أسلوبًا قريبًا من لغة الصحافة والحوار، وهو ما ساعد على انتشار كتبه خارج الأوساط الأكاديمية.

من التاريخ إلى علم الاجتماع

لم يدرس الوردي المجتمع العراقي بمعزل عن تاريخه. وفي كتابه «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث»، حاول قراءة التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق من منظور اجتماعي، متتبعًا أثر الأحداث الكبرى في تشكيل سلوك الجماعات والأفراد.

وكانت هذه الطريقة مختلفة عن كتابة التاريخ باعتباره مجرد سلسلة من الوقائع السياسية؛ فالوردي كان مهتمًا بما تتركه تلك الوقائع من آثار في المجتمع، وكيف يمكن للتحولات السياسية والاقتصادية أن تعيد تشكيل القيم والعلاقات الاجتماعية.

كما تناول في مؤلفاته شخصية الفرد العراقي، والعوامل التاريخية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيلها، وهي أفكار جعلت اسمه حاضرًا بقوة في النقاشات المتعلقة بالمجتمع العراقي والعربي.

مهزلة العقل البشري

في كتابه «مهزلة العقل البشري»، واصل الوردي نقده لبعض التصورات التي تتعامل مع الإنسان باعتباره كائنًا عقلانيًا بصورة كاملة. ورأى أن الإنسان كثيرًا ما يبحث عن المبررات المنطقية لمواقف اتخذها لأسباب أخرى، وأن العاطفة والمصلحة والانتماء للجماعة يمكن أن تؤثر في أحكامه وقراراته.

ومن خلال هذا الطرح، حاول الوردي أن يلفت الانتباه إلى أن فهم الإنسان يحتاج إلى النظر في واقعه الاجتماعي والنفسي، لا إلى الاكتفاء بالأفكار التي يعلنها عن نفسه.

مفكر خارج القوالب

تميّز مشروع الوردي بمحاولة الجمع بين علم الاجتماع والتاريخ والنقد الاجتماعي، مع الاعتماد على لغة سهلة نسبيًا مقارنة باللغة الأكاديمية السائدة في الدراسات الاجتماعية.

ولذلك ظل حضوره مستمرًا بين القراء حتى بعد رحيله. فكتبه لم تعد مقصورة على الجامعات والمتخصصين، وإنما تحولت إلى جزء من النقاشات العامة حول المجتمع والسلطة والأخلاق وشخصية الإنسان العربي.

ومع ذلك، لم تكن أطروحات الوردي بمنأى عن النقد؛ إذ رأى بعض الباحثين أن بعض تعميماته حول المجتمع العراقي أو الشخصية العربية تحتاج إلى قدر أكبر من التحديد والاعتماد على الأدلة التجريبية، بينما ظل آخرون ينظرون إلى قيمته الأساسية في قدرته على طرح الأسئلة وكسر المسلمات وإثارة النقاش.

إرث فكري مستمر

توفي علي الوردي في بغداد عام 1995، بعد مسيرة فكرية امتدت لعقود، ترك خلالها عددًا من الكتب التي ما زالت تُقرأ وتناقش، من بينها «وعاظ السلاطين»، و«مهزلة العقل البشري»، و«خوارق اللاشعور»، و«الأحلام بين العلم والعقيدة»، و«لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث».

وبعد عقود من رحيله، لا يزال الوردي حاضرًا في النقاش العربي، ليس فقط بسبب الإجابات التي قدمها، وإنما بسبب الأسئلة التي تركها حول الإنسان والمجتمع: لماذا يقول الناس شيئًا ويفعلون شيئًا آخر؟ وكيف تصنع البيئة الاجتماعية سلوك الفرد؟ وهل يمكن فهم الإنسان بعيدًا عن التناقضات التي يعيشها؟

ربما تكمن قوة علي الوردي في أنه لم يحاول تقديم صورة مثالية للإنسان، وإنما اختار أن ينظر إليه كما هو؛ كائنًا تحكمه القيم والمصالح والعواطف والظروف الاجتماعية في الوقت نفسه.

Chat Icon