في تجربة مختلفة عن الشكل التقليدي للسيرة الذاتية، اختار الشاعر الإماراتي كريم معتوق أن يروي جانبًا من حياته وتكوينه الأدبي والشعري في كتابه «سيرة ذاتية تشبهني: الطريق إلى الحياة»، الصادر عن دار نبطي للنشر في أبوظبي عام 2015، في نحو 190 صفحة.
ولا يقدم معتوق في الكتاب سيرة زمنية تقليدية تستعرض حياته عامًا بعد عام، وإنما ينتقي محطات وتجارب يرى أنها ارتبطت بتشكّل تجربته الشعرية، بداية من طفولته واهتمامه المبكر بالشعر، وصولًا إلى مراحل النضج الشعري، وما رافق حياته من سفر وتجارب وذكريات انعكست على كتابته.
لماذا «تشبهني» وليس «سيرتي»؟
يحمل عنوان الكتاب دلالة أساسية على طبيعة التجربة التي أراد كريم معتوق تقديمها. فالسيرة، في نظره، لا يمكن أن تكون تسجيلًا وثائقيًا دقيقًا للحياة، خصوصًا عندما يدخل الشعر والخيال في عملية استعادة الماضي.
ولهذا اختار عبارة «سيرة ذاتية تشبهني»، موضحًا أن وجود الشعر إلى جانب الأحداث يمنح النص مساحة للخيال، ويجعل ما يقدمه قريبًا من سيرته دون أن يدّعي التطابق الكامل معها. وقد أشار في مقدمة الكتاب إلى أن الشعر قد يغيّر الحقيقة عندما يمتزج بالخيال، لكنه في الوقت نفسه يمنح السيرة أدبيتها وألقها.
وهنا يتحول الكتاب من مجرد تسجيل للذكريات إلى محاولة لاستعادة صورة الشاعر عن نفسه؛ أي كيف يرى كريم معتوق مراحل تكوّنه، وكيف تحولت أحداث الحياة وتجاربها إلى مادة شعرية.
من الطفولة إلى النضج الشعري
يبدأ الكتاب من مراحل مبكرة في حياة معتوق، ويتوقف عند علاقته الأولى بالشعر والبيئة التي ساهمت في تشكيل شخصيته. ثم ينتقل إلى مراحل تطور تجربته الشعرية، وصولًا إلى النضج الأول.
ولا يتعامل معتوق مع الشعر باعتباره نشاطًا منفصلًا عن حياته، بل يظهر في الكتاب بوصفه حاضرًا في عدد كبير من محطاته وذكرياته. ولذلك جاءت السيرة أقرب إلى سيرة شاعر من خلال شعره وحياته معًا، وليس مجرد مذكرات شخصية.
السفر.. حين تتحول الرحلة إلى شعر
يمثل السفر جانبًا مهمًا في الكتاب؛ إذ يستعيد معتوق عددًا من رحلاته وتجارب إقامته وتنقله، وما ارتبط بها من كتابة وشعر.
وتظهر الرحلة هنا بوصفها تجربة إنسانية وأدبية في الوقت نفسه، إذ لم تكن المدن والأماكن مجرد خلفية للأحداث، وإنما تحولت إلى مادة للذاكرة والقصيدة. وتشير المصادر التي تناولت الكتاب إلى أن جزءًا من أدب الرحلة الذي كتبه معتوق جاء في صورة شعرية.
شعر لم يُنشر من قبل
من أبرز خصوصيات الكتاب أن معتوق استغله أيضًا لنشر عدد من القصائد والمقطوعات التي لم تكن قد ظهرت في أعماله السابقة.
وأوضح الشاعر أن بعضها ارتبط بأحداث محددة في حياته، بينما كان بعضها الآخر عبارة عن مقطوعات لم تكتمل لتصبح قصائد مستقلة؛ ولذلك وجد في السيرة مساحة مناسبة لإدراجها ضمن السياق الذي ولدت فيه.
وهكذا يصبح القارئ أمام حكاية الحدث والنص الذي ولد من الحدث في الوقت نفسه، وهو ما يمنح الكتاب طابعًا مختلفًا عن كتب المذكرات التقليدية.
سيرة بين الحقيقة والخيال
يرى كريم معتوق أن السيرة الذاتية من أكثر أشكال الكتابة تشويقًا، لكنها في الوقت نفسه قابلة لدخول الخيال إليها، خصوصًا عندما يستعيد الكاتب مواقف يرى نفسه فيها بصورة بطولية أو استثنائية.
ولهذا لا يتعامل مع كتابه بوصفه وثيقة تاريخية جافة، بل كنص أدبي يسمح للذاكرة والشعر والخيال بأن تتداخل. وهذا الجانب تحديدًا أصبح موضع اهتمام نقدي؛ فقد تناولت دراسة أكاديمية كتابه باعتباره نموذجًا لتداخل الشعر والنثر والسرد والخيال داخل السيرة الذاتية.
وخلصت الدراسة إلى أن تجربة معتوق لا تلتزم بالبنية الوثائقية الصارمة للسيرة، وإنما تفتح النص على أجناس أدبية أخرى، خصوصًا الشعر، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى سيرة أدبية وشعرية للذات.
اعترافات شخصية ولكن بحدود
لا يخلو الكتاب من مساحة للبوح واستعادة بعض التفاصيل الشخصية من طفولة معتوق وشبابه وعلاقاته وتجربته في الحياة.
لكن القراءة النقدية للكتاب تشير إلى أن مستوى البوح فيه يظل محدودًا مقارنة ببعض النماذج المعروفة في أدب السيرة الذاتية؛ إذ يميل معتوق إلى الانتقاء، ويركز بصورة أكبر على الأحداث التي تخدم صورة الشاعر وتطوره الأدبي.
وهذا الاختيار يبدو متسقًا مع طبيعة الكتاب؛ فمعتوق لم يكتب «كل حياته»، وإنما اختار من حياته ما يراه مرتبطًا بتجربته الشعرية والإنسانية.
لماذا يمثل الكتاب تجربة مهمة في أدب السيرة الإماراتية؟
تنبع أهمية «سيرة ذاتية تشبهني: الطريق إلى الحياة» من كونه واحدًا من النصوص اللافتة في تجربة السيرة الذاتية الإماراتية الحديثة، خصوصًا في مجال كتابة المبدع عن نفسه.
وقد وُصف الكتاب في قراءات نقدية بأنه من نصوص السيرة الذاتية النادرة التي ظهرت في الإمارات خلال تلك الفترة، في ظل محدودية حضور هذا اللون الأدبي مقارنة بأجناس أدبية أخرى.
كما أن أهميته لا ترتبط فقط بما يقوله عن حياة كريم معتوق، وإنما بالطريقة التي اختار بها تقديم هذه الحياة؛ فالقارئ لا يحصل على سيرة شاعر فحسب، بل على رؤية شاعر إلى حياته، وإلى الذاكرة، وإلى العلاقة بين الحقيقة والخيال والشعر.
وفي النهاية، يمكن قراءة الكتاب باعتباره محاولة من كريم معتوق للإجابة عن سؤال بسيط ومعقد في الوقت نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يروي حياته دون أن يفصلها عن الطريقة التي عاش بها تلك الحياة؟
ففي حالة معتوق، كانت الإجابة عبر الشعر؛ إذ لم يكتفِ بأن يحكي ما حدث، وإنما حاول أن يستعيد كيف تحولت الأشياء التي عاشها إلى قصائد وذكريات وتجربة أدبية.

