لم يكن رياض نجيب الريس مجرد صحفي أو ناشر كتب، بل كان واحدًا من أولئك الذين عاشوا الصحافة بوصفها مغامرة مفتوحة على العالم، والكتاب بوصفه مساحة للحرية. تنقل بين بيروت ولندن ودمشق، وذهب مراسلًا إلى مناطق الحروب والاضطرابات، قبل أن يؤسس دارًا حملت اسمه ويصبح واحدًا من أبرز صناع النشر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
وُلد الريس في دمشق عام 1937، وهو ابن الصحفي السوري الشهير نجيب الريس، صاحب جريدة «القبس». تلقى تعليمه في لبنان، ثم درس الاقتصاد في جامعة لندن، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية في الصحافة اللبنانية، في مرحلة كانت بيروت خلالها واحدة من أهم مراكز الصحافة العربية.
بدأ عمله في «الأنوار»، ثم انتقل إلى «المحرر»، قبل أن يعمل مع كامل مروة، مؤسس جريدة «الحياة». وكانت فيتنام إحدى أبرز محطات تجربته الصحفية؛ ففي عام 1966 أُرسل مراسلًا إلى هناك، ليبدأ مسارًا طويلًا من الصحافة الميدانية، ثم واصل عمله مع غسان تويني في صحيفة «النهار».
لم يكن الريس من صحفيي المكاتب. قادته المهنة إلى اليمن، والخليج العربي، وقبرص واليونان وتشيكوسلوفاكيا وغيرها من مناطق الأحداث. وفي عام 1968 وصل إلى براغ لتغطية الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا، كما غطى الانقلاب العسكري في اليونان عام 1967 وأحداثًا أخرى جعلت من تجربته نموذجًا للصحافة العربية التي تلاحق الحدث من موقعه لا من بعيد.
ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، انتقل الريس إلى لندن، حيث بدأ فصلًا جديدًا من حياته الصحفية. وفي عام 1977 أصدر جريدة «المنار»، التي توصف بأنها من أوائل الصحف العربية التي صدرت في أوروبا، ثم كتب في مجلة «المستقبل» العربية التي كانت تصدر من باريس. لم يكن انتقاله إلى أوروبا انسحابًا من الصحافة العربية، وإنما محاولة لبناء منبر صحفي خارج القيود التي فرضتها الحروب والصراعات على المنطقة.
لكن تجربة الريس لم تتوقف عند الصحافة. ففي لندن أسس «شركة رياض الريس للكتب والنشر» في منتصف الثمانينيات، قبل أن ينتقل نشاطها لاحقًا إلى بيروت. ومن خلال الدار دخل إلى واحدة من أكثر تجارب النشر العربي تأثيرًا، ناشرًا أعمالًا في الأدب والشعر والسياسة والتاريخ والفكر والمذكرات، ومراهنًا على أسماء وموضوعات لم تكن دائمًا تحظى بمساحة كافية في سوق النشر العربي.
ومن أبرز مشروعاته مجلة «الناقد»، التي أطلقها عام 1989 واستمرت حتى منتصف التسعينيات، وجمعت عددًا من أبرز الكتاب والشعراء والمثقفين العرب. كما ارتبط اسمه بنشر أعمال لكتاب وشعراء بارزين، بينهم محمود درويش ورشيد الضعيف وفواز طرابلسي وغيرهم، وهو ما جعل دار الريس جزءًا من ذاكرة بيروت الثقافية الحديثة.
وبالتوازي مع النشر، ترك الريس مؤلفات تنتمي إلى تجربته الصحفية والسياسية، من بينها «الخليج العربي ورياح التغيير»، و«رياح الجنوب»، و«رياح السموم»، و«رياح الشرق»، و«رياح الشمال»، و«صحافي ومدينتان»، و«قبل أن تبهت الألوان: صحافة ثلث قرن»، و«أرض التنين الصغير: رحلة إلى فيتنام»، إلى جانب «مصاحف وسيوف» و«الفترة الحرجة». وفي كتاباته، ظل الصحفي حاضرًا بوضوح؛ مراقبًا للتحولات السياسية والاجتماعية، ومستعيدًا ذاكرة الأمكنة والأحداث التي عاشها.
وربما يلخص الريس نفسه علاقته بالصحافة والنشر أكثر من أي تعريف خارجي؛ فقد قال في إحدى شهاداته عن تجربته: «أنا صحافي. النشر هو وسيلة لتأمين العيش». كانت العبارة تعكس ترتيبًا واضحًا للأولويات في ذهنه: الصحافة كانت المهنة التي انتمى إليها، أما النشر فكان مشروعًا أوسع حاول من خلاله أن يترك أثرًا في الثقافة العربية.
رحل رياض الريس في بيروت في 26 سبتمبر 2020 عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد مسيرة امتدت أكثر من نصف قرن بين الصحافة والتأليف والنشر. ترك وراءه تجربة تتقاطع فيها بيروت ولندن ودمشق، والحروب والصحافة والكتاب، وظل اسمه مرتبطًا بجيل من الصحفيين والكتاب والناشرين الذين تعاملوا مع الثقافة العربية باعتبارها مجالًا للمغامرة والاختلاف، لا مجرد صناعة للنشر.

