بين الفلسفة والتاريخ والسياسة، ومن الرواية الواقعية إلى عوالم الفانتازيا والخيال، تحمل الإصدارات الأدبية والفكرية الجديدة أسئلة الإنسان وتحولاته، وتفتح نوافذ مختلفة على تجارب الشعوب وذاكرتها. وفي جولة جديدة، تأخذكم «أثر» بين مجموعة من الكتب والروايات الصادرة حديثًا عن دور نشر ومؤسسات ثقافية عربية، تجمع بين إعادة قراءة التاريخ، واستكشاف أسئلة الوجود والهوية، والتأمل في علاقة الإنسان بالعالم من حوله.
«فلسفة العمل».. هل نعمل لنكسب العيش أم لنصنع الحياة؟
صدر حديثًا عن المركز القومي للترجمة في مصر كتاب «فلسفة العمل»، من تأليف س. ديليزيل برنز، وترجمة محسن ويفي، ومراجعة أحمد زايد، ليعيد طرح سؤال يرتبط بتفاصيل الحياة اليومية: هل يقتصر العمل على كونه وسيلة لكسب العيش، أم أنه يتجاوز ذلك ليصبح جزءًا من صناعة الحياة ومعناها؟
ويقدم الكتاب قراءة فلسفية واجتماعية لمفهوم العمل، متجاوزًا النظرة التي تحصره في ساعات العمل والأجر، إلى استكشافه بوصفه تعبيرًا عن الطاقة الإنسانية، وأحد الأسس التي تقوم عليها الحضارة، ومساحة تتقاطع فيها حرية الفرد مع مسؤولياته تجاه المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يفتح الكتاب المجال للتفكير في موقع العمل داخل التجربة الإنسانية، ودوره في تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين، فضلًا عن أثره في بناء المجتمعات وتطورها.
«هنا لهم حكاية».. 54 قصة ترصد التنوع الثقافي في الإمارات
يقدم كتاب «هنا لهم حكاية»، الصادر عن مركز أبوظبي للغة العربية، 54 قصة إبداعية لمشاركين من جنسيات وخلفيات ثقافية متنوعة، تستلهم تجارب إنسانية من الحياة في دولة الإمارات، وتعكس قيم التعايش والتسامح والانتماء.
ويأتي الكتاب تتويجًا لمبادرة مجتمعية أطلقها المركز خلال الدورة السابقة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب عام 2025، بالتزامن مع «عام المجتمع»، بهدف تشجيع أفراد المجتمع على الكتابة الإبداعية، وإتاحة الفرصة أمام المواهب الجديدة للتعبير عن تجاربها ونشر أعمالها الأدبية.
وتتنوع موضوعات القصص بين الهوية والغربة والانتماء، ودعم أصحاب الهمم، والعطف على الآخرين، والتراث الخليجي، والتفاعل بين الثقافات، لتقدم صورة عن النسيج الإنساني الذي يجمع المواطنين والمقيمين في الإمارات.
كما يعكس الإصدار توجهًا نحو توسيع المشاركة المجتمعية في المشهد الأدبي، وتحويل التجارب الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية إلى مادة إبداعية تثري المحتوى العربي وتوثق جوانب من واقع المجتمع الإماراتي.
«بطل من زماننا».. حين يتحول العنف إلى مأساة إنسانية
عن دار الساقي في بيروت، صدرت رواية «بطل من زماننا» للكاتب الإيطالي فاسكو براتوليني، بترجمة رامي طويل، لتقدم حكاية تتشابك فيها العلاقات الإنسانية مع آثار الأيديولوجيا والعنف داخل المجتمع الإيطالي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وتدور أحداث الرواية عام 1945، حين تتقاسم ثلاث عائلات شقة واحدة، هي الزوجان الشابان الشيوعيان فالييرو وبرونا، وفرجينيا أرملة رجل فاشي سابق، ولوتشيا، الأم الأرملة لساندرينو، الفتى الذي يبلغ السادسة عشرة من عمره.
وينشأ التوتر داخل هذا المكان مع تورط ساندرينو، الذي نشأ على تقديس شخصية والده الفاشي والمستبد، في علاقة مع فرجينيا، تتسم بالقهر والإساءة. ومع تصاعد الأحداث، يحاول فالييرو وبرونا إنقاذ الفتى من المسار الذي يسلكه، لكن محاولاتهما تصطدم بعنف متجذر في شخصيته، يهدد بانفجار مأساوي.
وتستكشف الرواية أثر البيئة الأسرية والاجتماعية والأفكار المتطرفة في تشكيل الإنسان، وكيف يمكن للماضي أن يواصل حضوره في حياة الأفراد حتى بعد تغير الظروف السياسية والتاريخية.
«زمن وحياة ميرفت جاد».. بين الواقع والفانتازيا السوداء
يخوض الكاتب الصحفي محمد سرساوي تجربة سردية جديدة من خلال رواية «زمن وحياة ميرفت جاد»، الصادرة حديثًا عن مركز المحروسة للنشر، والتي تنتمي إلى أدب الفانتازيا السوداء، وتمزج بين الواقع والخيال في عالم غرائبي.
وتطرح الرواية أسئلة تتصل بالوجود والهوية والذاكرة، من خلال سرد تتداخل فيه الأسطورة مع الحياة اليومية، بما يفتح المجال أمام القارئ للتأمل في الحدود الفاصلة بين الواقع والمتخيل، وفي الطريقة التي تتشكل بها علاقة الإنسان بماضيه وصورته عن ذاته.
وتنطلق الرواية من هذا المزج بين العوالم المختلفة لتقديم تجربة أدبية تستكشف الأسئلة الإنسانية من منظور غير تقليدي، مستفيدة من أدوات الفانتازيا في بناء عالمها السردي.
«الرحلة الوسطى».. أسئلة الحرية والعبودية في رحلة بحرية
صدرت عن دار قرطاس في أربيل طبعة عربية جديدة من رواية «الرحلة الوسطى» للروائي والكاتب الأميركي تشارلز جونسون، بترجمة أسامة إسبر، ضمن إصدار يحمل تاريخ 2026.
وتستعيد الرواية واحدة من الصفحات القاسية في التاريخ الحديث، من خلال رحلة بحرية تتجاوز أحداثها حدود المغامرة، لتطرح أسئلة تتعلق بالحرية والعبودية والهوية ومعنى الإنسان في مواجهة أنظمة القهر.
وتنتمي الرواية إلى الأعمال التي تستحضر التاريخ بوصفه مساحة لفهم التجربة الإنسانية، وما تحمله من صراعات بين إرادة التحرر والقوى التي تسعى إلى سلب الإنسان حريته وحقه في تقرير مصيره.
وتتيح الطبعة العربية الجديدة للقارئ فرصة التعرف إلى عمل أدبي يوظف الرحلة البحرية في استكشاف قضايا تاريخية وإنسانية تتجاوز زمن وقوع الأحداث، وتظل حاضرة في النقاش حول الحرية والكرامة الإنسانية.
«من فيصل الأول إلى أحمد الشرع».. قراءة في لحظات سورية الفارقة
يقدم الباحث والإعلامي السوري إبراهيم الجبين كتابه «من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: لحظات سورية الفارقة»، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان، في محاولة لقراءة التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها سوريا على امتداد أكثر من قرن.
ويحمل الكتاب عنوانًا فرعيًا هو «بين أبناء الأرض وأبناء السماء ــ في الدولة والتحولات»، ويتتبع مسارات تشكل الدولة العربية الحديثة والتحولات التي مرت بها سوريا، وصولًا إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى دمشق.
ويطرح الجبين من خلال الكتاب محاولة لإعادة قراءة التاريخ السوري المعاصر، والوقوف عند اللحظات المفصلية التي أسهمت في تشكيل الدولة والمجتمع، بعيدًا عن الانحصار في السرديات الأيديولوجية والتحزبات السياسية.
ويكتسب العمل أهميته من تناوله مرحلة تاريخية ممتدة، تجمع بين البدايات الأولى لمشروع الدولة والتحولات السياسية الحديثة، ساعيًا إلى فهم العلاقة بين الماضي والحاضر، وكيف أسهمت التجارب السابقة في تشكيل الواقع السوري الراهن.
«أصفح لكم عن جسدي وخيالي».. عوالم قصصية تتجاوز المألوف
عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع في دمشق والشارقة، صدرت المجموعة القصصية «أصفح لكم عن جسدي وخيالي» للكاتب السوري أنس الأسعد، في 128 صفحة، مقدمة مجموعة من التجارب السردية المتنوعة في موضوعاتها وأشكالها الفنية.
وتتنقل المجموعة بين السيرة المتخيلة والعوالم المستقبلية الساخرة، مع تنوع في الأساليب السردية واللغوية، بما يمنح القصص مساحات مختلفة لاستكشاف الواقع والخيال، وإعادة النظر في المألوف من زوايا متعددة.
ويعكس تنوع النصوص محاولة لتوسيع آفاق التجربة القصصية، عبر الانتقال بين أنماط سردية مختلفة، والاستفادة من الخيال والسخرية في بناء عوالم تتباين في موضوعاتها وطرائق التعبير عنها.
وتنضم المجموعة إلى الإصدارات القصصية العربية الجديدة التي تراهن على تعدد الأشكال الفنية، وتمنح الكاتب مساحة للتجريب، والقارئ فرصة الانتقال بين عوالم سردية مختلفة.
وتكشف هذه الإصدارات، على اختلاف موضوعاتها وأجناسها الأدبية، عن اتساع خريطة النشر العربي وتنوع الأسئلة التي تشغل الكتّاب والمفكرين؛ من معنى العمل ومكانته في حياة الإنسان، إلى الهوية والتاريخ والتحولات السياسية، وصولًا إلى عوالم الخيال التي تعيد تشكيل الواقع وتفتح أمام القارئ آفاقًا جديدة للتأمل والمعرفة.

