عبدالرحمن الجروان في «أيام وذكريات».. شهادة جيل شارك في بناء الدبلوماسية الإماراتية

عبدالرحمن الجروان في «أيام وذكريات».. شهادة جيل شارك في بناء الدبلوماسية الإماراتية

ليست كل المذكرات حكايات عن أصحابها، فبعضها يتجاوز حدود التجربة الشخصية ليصبح نافذة على مرحلة كاملة من تاريخ الوطن. وفي كتابه «أيام وذكريات»، يقدم المستشار والدبلوماسي الإماراتي عبدالرحمن بن علي الجروان شهادة تستعيد جانبًا من البدايات التي تشكلت خلالها مؤسسات الدولة، وتكشف ملامح من تجربة جيل شارك في بناء الدبلوماسية الإماراتية وتطوير حضورها في المنطقة والعالم.

تنبع أهمية الكتاب من المسار الذي يرويه صاحبه؛ فمنذ تخرجه في جامعة بغداد عام 1972، حاصلًا على بكالوريوس العلوم السياسية، انتقل الجروان إلى العمل في وزارة الخارجية، حيث عاصر مرحلة بناء الكوادر الدبلوماسية والمؤسسية، وتدرج في المسؤوليات حتى تولى منصب وكيل الوزارة، قبل أن يعمل مستشارًا في ديوان حاكم الشارقة. وبين هذه المحطات، تتقاطع السيرة المهنية مع تحولات سياسية واجتماعية صنعت ملامح الإمارات الحديثة.

من ذاكرة البدايات

يستعيد الجروان في مذكراته جوانب من طفولته ودراسته في الرمس برأس الخيمة والحيرة بالشارقة، مستحضرًا ظروف الحياة التي أسهمت في تشكيل جيل اتسم بقوة الإرادة والتصميم وحب العمل والعطاء. ولا تبدو هذه التفاصيل مجرد استرجاع لسنوات مضت، بقدر ما تقدم مدخلًا لفهم البيئة التي انطلق منها رجال شاركوا في بناء مؤسسات الدولة في مراحلها الأولى.

وتبرز قيمة هذه الشهادة حين ينتقل السرد إلى مرحلة ما قبل الاتحاد، مستعيدًا لقاءً جمع الجروان ورفاقه بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حين قصدوه طلبًا لدعم نادٍ رياضي حديث التأسيس في الشارقة.

كانت الرحلة من الشارقة إلى أبوظبي، ومنها إلى العين، جزءًا من حكاية تتجاوز مشقة الطريق. فبعد رحلة استغرقت ساعات، استقبلهم الشيخ زايد بروحه الأبوية، ووجّه بتوفير سيارة لهم للتجول في المدينة، داعيًا إياهم إلى التعرف إلى بلادهم.

وفي هذه الواقعة، تتجلى إحدى الدلالات الإنسانية التي تحفظها المذكرات عن مرحلة التأسيس؛ إذ لا يقتصر التاريخ على القرارات الكبرى والاتفاقات السياسية، بل يتشكل أيضًا من اللقاءات والمواقف التي تركت أثرًا في نفوس من عايشوها، وأسهمت في بناء علاقتهم بوطنهم وقيادته.

الدبلوماسية.. تجربة تتجاوز المناصب

من خلال عمله في وزارة الخارجية، يقدم الجروان جانبًا من التحديات التي واجهت الدبلوماسية الإماراتية في سنواتها الأولى، حين كان بناء الكوادر الوطنية وتأسيس المؤسسات يجريان بالتوازي مع التعامل مع محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة عند قراءتها في ضوء ما وصلت إليه الدبلوماسية الإماراتية لاحقًا؛ فالإنجازات المؤسسية لا تنفصل عن جهود الأجيال التي تولت مسؤوليات التأسيس، وأسهمت بخبراتها ومواقفها في ترسيخ حضور الدولة. ومن هنا، لا يقدم الكتاب مسيرة فردية فحسب، بل يوثق جانبًا من العمل الذي سبق اكتمال ملامح التجربة الدبلوماسية الإماراتية.

كما يخصص الجروان مساحة لشهداء الدبلوماسية الإماراتية الذين سقطوا في هجمات إرهابية، مستعيدًا جانبًا مؤلمًا من تاريخ العمل الدبلوماسي في المنطقة. وتعيد هذه الصفحات التذكير بأن خدمة الوطن لم تكن مسارًا خاليًا من المخاطر، وأن بناء العلاقات الدولية والدفاع عن المواقف المبدئية للدولة ارتبطا بتضحيات إنسانية لا ينبغي أن تغيب عن الذاكرة.

حين تصبح الذاكرة جزءًا من التاريخ

يحدد الجروان بنفسه طبيعة العمل الذي أراد تقديمه، موضحًا أن سيرته ليست مقتصرة على البعد الشخصي، بل تجمع بين السرد القصصي والتدوين التاريخي لمراحل مهمة من مسيرة الإمارات، وما عايشه خلالها من شخصيات تركت بصماتها على الوطن والمنطقة والعالم.

ويضع المؤلف تأسيس الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971 في قلب هذه الذاكرة، بوصفه منعطفًا تاريخيًا ارتبط بجهود المؤسسين الأوائل، ولا تزال آثاره حاضرة في مسيرة الدولة.

ومن هذه الزاوية، تكتسب «أيام وذكريات» قيمته بوصفه سجلًا لتجربة إنسانية ومهنية عاصرت مرحلة التأسيس وما تلاها من تحولات. فالكتاب لا يستعيد الماضي لمجرد الحنين إليه، بل يتيح للأجيال الجديدة الاقتراب من تفاصيله عبر شهادة أحد الذين عاشوا بعض محطاته، وشاركوا في مسار بناء مؤسساته.

وتبقى أهمية هذه المذكرات في أنها تحفظ جانبًا من التجربة الإماراتية من خلال ذاكرة أصحابها؛ فالتاريخ لا يُقرأ فقط فيما تركته الأحداث من نتائج، بل أيضًا فيما تركته من خبرات ودروس وقيم انتقلت من جيل إلى آخر. وهي قيمة تجعل توثيق تجارب الرواد جزءًا من حفظ الذاكرة الوطنية، وصون ما راكمته من معرفة وخبرة لتستفيد منه الأجيال المقبلة.

Chat Icon