شيخة الناخي.. من «الرحيل» بدأت الحكاية

شيخة الناخي.. من «الرحيل» بدأت الحكاية

في عام 1970، خطّت الكاتبة الإماراتية شيخة مبارك سيف الناخي اسمها في تاريخ الأدب الإماراتي، بعدما نشرت قصتها القصيرة «الرحيل» في مجلة «أخبار دبي»، لتصبح أول امرأة إماراتية تنشر قصة قصيرة، وتفتح مبكرًا بابًا جديدًا أمام حضور المرأة في المشهد الأدبي بالدولة.

لم تكن «الرحيل» مجرد تجربة أدبية أولى، بل كانت بداية مسيرة ارتبطت بقضايا المجتمع الإماراتي، ولا سيما أحوال المرأة والتقاليد الاجتماعية والقيود التي أحاطت باختياراتها في تلك المرحلة. وقد فازت القصة بالمركز الأول في مسابقة أدبية نظمتها وزارة الشباب آنذاك، وهو ما شجّع الناخي على مواصلة الكتابة وعدم التخلي عن قلمها.

نشأة في بيت الأدب والمعرفة

وُلدت شيخة الناخي في الشارقة عام 1952، ونشأت في بيئة ثقافية كان لوالدها، الأديب والشاعر مبارك سيف الناخي، أثر واضح في تشكيل وعيها الأدبي. فقد أتاحت لها مكتبة الأسرة فرصة مبكرة للاطلاع على كتب التاريخ والدين والشعر، وأسهمت صلتها بوالدها في تنمية اهتمامها بالقراءة والكتابة.

وفي حديثها عن بداياتها، استحضرت الناخي أثر هذه البيئة في تكوين شخصيتها، مشيرة إلى أن المعرفة والتعليم يمثلان أساسًا لتحرير العقل، وأن اطلاعها على الكتب منذ الصغر منحها مساحة لاكتشاف عالم الأدب والتعبير عن الأفكار التي شغلتها.

ومع دخولها مرحلة الشباب، بدأت تلتقط من واقعها الاجتماعي موضوعات قصصها، مستلهمة تجارب الناس وما كان يحيط بالمرأة من أعراف وتحديات، لتتحول الكتابة بالنسبة إليها إلى وسيلة لرصد المجتمع والتعبير عن أسئلته.

«الرحيل».. قصة كسرت الصمت

تناولت قصة «الرحيل» علاقة عاطفية بين شاب وفتاة، كان يُفترض أن تنتهي بالزواج، لكن الظروف المادية وضيق الحال يقفان عائقًا أمام اكتمالها، لتنتهي القصة برحيل الشاب.

واكتسب العمل أهمية خاصة من موضوعه وجرأته في تناول علاقة بين شاب وفتاة، في وقت كانت فيه الزيجات تخضع بدرجة كبيرة للأعراف الاجتماعية والقرارات العائلية، ولم تكن رغبة الفتاة تحظى دائمًا بالاعتبار الكافي.

وقد مثّلت القصة مدخلًا مبكرًا إلى معالجة قضايا المرأة في الأدب الإماراتي، كما أصبحت علامة بارزة في مسيرة الناخي، التي واصلت الكتابة لاحقًا، مستفيدة من تجربتها الأولى في استكشاف العلاقة بين الفرد والمجتمع.

من التعليم إلى العمل الثقافي

إلى جانب مسيرتها الأدبية، عملت الناخي في قطاع التعليم منذ عام 1971، وتدرجت في وظائفه، من التدريس إلى العمل الإداري، وصولًا إلى إدارة مدرسة الغبيبة الثانوية في الشارقة.

ولم يقتصر حضورها على الكتابة، بل امتد إلى الأنشطة الثقافية والتربوية، إذ اهتمت بتشجيع الطالبات على التعبير والكتابة، واستثمار المدرسة مساحةً لتنمية المواهب الأدبية.

وفي عام 1974، شاركت مع شقيقها في إصدار مجلة «الزهور» الموجهة للأطفال، وتولت رئاسة تحريرها والكتابة فيها، في تجربة تعكس اهتمامها المبكر بأدب الطفل، قبل أن تتوقف المجلة لأسباب ارتبطت بالتفرغ والتوزيع والتكاليف.

كما ارتبط نشاطها بالعمل الثقافي النسائي في الشارقة، في مرحلة كانت فيها المؤسسات والجمعيات الثقافية تؤدي دورًا مهمًا في توسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة.

مؤلفات وثّقت المجتمع

واصلت شيخة الناخي تجربتها في القصة القصيرة، وأصدرت مجموعة «الرحيل» عام 1992، لتجمع في عنوان واحد اسم العمل الذي ارتبط ببدايتها الأدبية.

ومن أعمالها أيضًا مجموعة «رياح الشمال»، ومجموعة «العزف على أوتار الفرح» التي صدرت عام 2007 عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. وتناولت كتاباتها قضايا اجتماعية وإنسانية، مع اهتمام خاص بأحوال المرأة الإماراتية وتطلعاتها، وما شهدته البيئة المحلية من تحولات.

كما كتبت مقالات جُمعت في كتاب صدر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 2008، في امتداد لتجربتها التي لم تقتصر على السرد القصصي وحده.

وتكشف هذه الأعمال عن اهتمام الناخي بتسجيل تفاصيل الحياة الاجتماعية، والتقاط ما تحمله العلاقات الإنسانية من آمال وصراعات، في مجتمع كان يشهد تغيرات متسارعة على المستويات الاقتصادية والثقافية.

تكريم يرسّخ الريادة

حظيت شيخة الناخي بتكريمات تقديرًا لمسيرتها في التعليم والأدب، من بينها جائزة خليفة للمعلم المتفوق، كما كُرّمت ضمن مبادرة «أوائل الإمارات» تقديرًا لريادتها في نشر القصة القصيرة الإماراتية.

وتبقى أهمية تجربتها مرتبطة بما أنجزته في مرحلة مبكرة من تاريخ الأدب المحلي؛ إذ دخلت مجالًا لم يكن حضور المرأة فيه قد اتسع بعد، وقدمت نصًا تناول قضايا اجتماعية حساسة، ثم واصلت الكتابة والعمل التربوي والثقافي على مدى عقود.

من «الرحيل» عام 1970 إلى «العزف على أوتار الفرح» عام 2007، تمتد تجربة شيخة الناخي بوصفها واحدة من رائدات الأدب الإماراتي، وصاحبة حضور أسهم في ترسيخ القصة القصيرة بوصفها وسيلة للتعبير عن الإنسان والمجتمع وتحولاتهما.

Chat Icon