يقدم الكاتب البريطاني بن ماكنتاير في كتابه الجديد «ريد وود» قصة حقيقية من عالم التجسس خلال واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ إيران الحديث، عقب الثورة التي أطاحت بنظام الشاه عام 1979، من خلال حكاية ضابط سوفيتي انشق عن بلاده، وأصبح مصدرًا مهمًا للمخابرات البريطانية في طهران.
وعادةً ما يختصر ماكنتاير دوافع الخيانة لدى العملاء والجواسيس في أربعة أسباب رئيسية: المال، والأيديولوجيا، والإكراه، والغرور. لكن بداية كتابه الجديد تضيف سببًا غير مألوف إلى هذه القائمة، إذ تبدأ القصة من معاناة شخصية يعانيها ضابط المخابرات السوفيتية فلاديمير كوزيتشكين، الذي كان يبحث عن علاج لمشكلة في قدرته الجنسية.
كان كوزيتشكين يعيش تحت ضغوط متواصلة، ويفرط في تناول الكحول، ويخضع للمراقبة، كما كان غاضبًا من فساد زملائه ومستاءً من حياته الأسرية. وفي ظل هذه الظروف، عرض نقل أسرار بلاده وحلفائها في إيران إلى البريطانيين، مقابل الحصول على مساعدة طبية تعيد إليه قدرته على ممارسة حياته الطبيعية.
ويعتمد ماكنتاير في سرد القصة على الجمع بين التفاصيل الإنسانية المثيرة والدقة التاريخية، وهو الأسلوب الذي اشتهر به في أعماله السابقة التي تناولت الحروب والسياسة وعالم الاستخبارات والأسرار.
إيران بعد الثورة
تبدأ الأحداث في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، عندما تغير ميزان القوى في المنطقة بصورة جذرية. فقد فقدت الدول الغربية حليفًا مهمًا بسقوط الشاه، بينما تعرضت الولايات المتحدة لضربة قاسية بعد اقتحام سفارتها في طهران واحتجاز موظفيها رهائن.
وفي المقابل، اعتقد الاتحاد السوفيتي أن الفوضى التي أعقبت الثورة يمكن أن تتيح له توسيع نفوذه جنوبًا، داخل دولة تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة وثروات نفطية ضخمة وموقع جغرافي مهم.
وفي هذا السياق، كانت مهمة كوزيتشكين دعم النفوذ السوفيتي من خلال تقديم الأموال والأسلحة والدعم لحزب توده، وهو الحزب الشيوعي الإيراني الذي كان يتبنى نهجًا قريبًا من الموقف السوفيتي.
وكان كوزيتشكين يدير نشاطه من السفارة السوفيتية في طهران، حيث كان يرى أن زملاءه لا يتمتعون بالكفاءة المطلوبة، فيما كانوا يحتفلون حتى بالنجاحات الصغيرة بكميات كبيرة من الفودكا، وهو ما زاد من نفوره من العمل الذي يقومون به.
وعلى الجانب الآخر من الشارع، كان إيان ماكريدي، الضابط الشاب في جهاز الاستخبارات البريطاني، قد وصل إلى طهران برفقة زوجته وطفله الرضيع. وكانت مهمته إعادة بناء شبكة الاستخبارات البريطانية في إيران، بعدما اضطرت المجموعة السابقة إلى مغادرة البلاد عقب الثورة.
وفي الوقت الذي كان فيه الثوار يفرضون قيودًا على تناول الكحول، عثر ماكريدي على نحو 50 صندوقًا من الويسكي كان أحد المسؤولين البريطانيين السابقين قد استوردها هدية لشاه إيران، ثم تركها في أحد المرائب، الأمر الذي وفر له مخزونًا كافيًا خلال الأيام المضطربة التي أعقبت الثورة.
من ضابط سوفيتي إلى عميل مزدوج
تشكل العلاقة بين كوزيتشكين وماكريدي محور الكتاب، إذ تتحول تدريجيًا من مجرد اتصال استخباراتي إلى علاقة بين عميل مزدوج ومسؤول عن إدارة نشاطه.
لكن هذه العلاقة كانت محفوفة بخطر دائم، في ظل وجود الحرس الثوري وأجهزة الأمن الإيرانية التي كانت تلاحق أي نشاط استخباراتي أجنبي داخل البلاد.
ويمنح الكتاب هذه القصة بعدًا أكبر، لأن الرجلين لم يدركا في ذلك الوقت أنهما يتحركان وسط تغير تاريخي واسع في موازين القوى. فبينما كان النفوذ الشيوعي يتراجع تدريجيًا، كانت الجمهورية الإسلامية الجديدة تعمل على ترسيخ نفوذها وإقصاء خصومها السياسيين.
ويتضح هذا التحول بصورة خاصة بعد نجاح البريطانيين في إخراج كوزيتشكين من إيران ونقله إلى بريطانيا، حيث خضع للاستجواب وأدلى بمعلومات واسعة عن النشاط السوفيتي.
لكن السوفييت حاولوا الاستفادة من المعلومات التي قدمها كوزيتشكين بطريقة أخرى؛ فأرسلوا معلومات عن الشيوعيين إلى السلطات الإيرانية، على أمل أن يساعد ذلك في تحسين علاقتهم مع طهران وكسب مزيد من النفوذ.
إلا أن النتيجة جاءت عكسية، إذ ساهمت المعلومات في شن حملة عنيفة ضد أنصار حزب توده، شملت الاعتقالات والتعذيب، وساعدت في النهاية على تعزيز سيطرة الجمهورية الإسلامية على المشهد السياسي، دون أن تحقق للغرب مكاسب تذكر.
قصة تجسس وسط تحولات كبرى
وعلى الرغم من أن الكتاب يتناول صراعات دولية وحسابات استخباراتية معقدة، فإن ماكنتاير يحرص على إدخال لمسات ساخرة وخفيفة إلى السرد.
فهو يصف إحدى آلات التشفير القديمة بأنها لم تكن مجرد آلة «غير سهلة الاستخدام»، وإنما كانت أقرب إلى أن تكون «معادية للمستخدم». كما يصف رئيس البعثة البريطانية في طهران بأنه رجل «أتقن فن التفكير مرتين قبل ألا يقول شيئًا».
ويقدم أيضًا تفاصيل عن حياة زوجة ماكريدي، لوسي، التي لم تكن تخشى كثيرًا من العيش في ظل نظام قمعي، لأنها كانت قد تلقت تعليمها في مدرسة داخلية إنجليزية للبنات.
ويرى ماكنتاير أن قوة «ريد وود» لا تكمن فقط في قصة الانشقاق والتجسس، وإنما في الطريقة التي تكشف بها القصة التحولات التي شهدتها إيران والمنطقة في أعقاب الثورة، في وقت كانت فيه القوى الكبرى تعيد حساباتها أمام صعود الجمهورية الإسلامية وتراجع النفوذ الشيوعي.
وفي النهاية، تقدم المراجعة الكتاب باعتباره عملًا متماسكًا ومشوقًا في أدب التجسس الحقيقي، يجمع بين التفاصيل الشخصية والقصة الاستخباراتية والتحولات الجيوسياسية التي أعادت رسم خريطة المنطقة.
نقلًا عن صحيفة «الجارديان»

