يأخذ كتاب «دفتر العمر» للقاصد والكاتب ورجل الأعمال الإماراتي سالم بن إبراهيم السامان القارئ في رحلة تمتد لعقود من تاريخ الإمارات، من سنوات ما قبل الاتحاد، مرورًا بمراحل التأسيس والنهضة، وصولًا إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الدولة.
ولا يقدم السامان في كتابه سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي فقط، وإنما يضع تجربته الشخصية داخل سياق أوسع من تاريخ الإمارات؛ فتتداخل ذكريات الطفولة والشباب والعمل والتجارة والسفر مع أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية كان شاهدًا عليها، أو كان قريبًا من بعض صانعيها.
صدر «دفتر العمر» في أبوظبي عام 2009 عن دار نشر خاصة، في 252 صفحة من القطع الكبير، وصدر منه ثلاثة أجزاء، ليشكل العمل في مجمله سجلًا للذكريات الشخصية والعامة التي عاشها المؤلف خلال مراحل مهمة من تاريخ الدولة.
من البحر إلى عالم التجارة
يبدأ السامان حكايته من عام 1938، عام ميلاده، مستعيدًا تفاصيل الحياة في ذلك الزمن، قبل أن تقوده ظروف الحياة إلى البحر والتجارة في سن مبكرة.
ويروي رحلته البحرية الأولى إلى الكويت، والتي استغرقت 27 يومًا، ثم سفره برفقة والده إلى الهند، مستعيدًا مشاهد من الرحلة وأهوال البحر وانطباعاته عن الهند وعوالمها المختلفة. كما يستحضر تفاصيل تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف طبيعة الحياة في تلك المرحلة، مثل رؤيته الأولى لدراجة هوائية، وعلاقته بالأجهزة الحديثة التي بدأت تدخل المجتمع، ومنها الراديو الخشبي والهاتف القديم.
لكن وفاة والده في أواخر عام 1954 مثلت نقطة تحول حقيقية في حياته، إذ وجد نفسه أمام مسؤوليات جديدة دفعته إلى خوض غمار العمل والتجارة، قبل أن يبدأ لاحقًا في تأسيس مشروعاته الخاصة.
ومن رأس الخيمة، التي ارتبط أهلها تاريخيًا بالبحر، انطلق السامان إلى عالم الشحن البحري، مستفيدًا من خبرته الطويلة في البحر، وبإمكانات مالية محدودة لم تتجاوز في بدايتها 38 ألف روبية.
تكتسب مذكرات السامان أهمية خاصة من قربه من دوائر الحكم والإدارة والتجارة في أبوظبي خلال مرحلة شديدة الأهمية من تاريخها.
ويستعيد المؤلف تفاصيل تكليفه من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بتولي شؤون الميناء والجمارك في أبوظبي، ثم مشاركته في تأسيس غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، وهي محطات تعكس انتقال الإمارة تدريجيًا إلى مرحلة جديدة من التنظيم الاقتصادي والإداري.
كما يوثق الكتاب دخول الكهرباء إلى أبوظبي عام 1964، وما مثله ذلك من تحول في حياة السكان، إلى جانب ذكرياته عن تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي، وما تبع ذلك من حركة واسعة للإعمار والتطوير والتحديث.
ثم ينتقل السامان إلى واحدة من أهم اللحظات التي عاشتها الدولة، وهي قيام اتحاد الإمارات في 2 ديسمبر 1971، مستعيدًا أجواء المرحلة التي سبقت الاتحاد واللقاء التاريخي لحكام الإمارات.
«مجوهرات المنارة».. تجربة تجارية بدأت من الإمارات
ولا تنفصل سيرة السامان الشخصية عن تجربته الاقتصادية؛ إذ يحتل العمل والتجارة مساحة كبيرة من الكتاب.
ومن أبرز محطاته تأسيس «مجوهرات المنارة» عام 1973 برأسمال بلغ 100 ألف درهم، ثم توسع نشاطها بافتتاح فروع في مختلف إمارات الدولة وفي عدد من دول الخليج.
ويروي السامان كذلك علاقاته بشركات عالمية، من بينها شركة «بان أميركا» للطيران، التي أصبح وكيلًا لها، وشركة «جنرال موتورز»، إلى جانب مشاركته في لقاءات ووفود اقتصادية وتجارية خلال شغله منصب نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة أبوظبي.
وبذلك يقدم الكتاب جانبًا آخر من تاريخ الإمارات، يتمثل في تطور بيئة الأعمال والتجارة خلال السنوات الأولى لقيام الدولة.
علاقة خاصة بالشيخ زايد
من أكثر أجزاء «دفتر العمر» خصوصية تلك التي يتحدث فيها السامان عن علاقته بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والتي لم تقتصر على العمل والتجارة، بل امتدت إلى السفر والمهمات الخاصة والهوايات المشتركة.
ويروي المؤلف تكليف الشيخ زايد له بشراء حديقة «الأيغل» في ألمانيا، بعد إعجابه بأنواع الغزلان النادرة الموجودة فيها، كما يتحدث عن سفره معه إلى باكستان، وعن اهتمام الشيخ زايد بالصقور والطيور.
ويكشف السامان كذلك عن سفره بتكليف من الشيخ زايد إلى المكسيك مرتين لشراء الطيور الحرة، إلى جانب رحلات جمعتهما في سويسرا وبلجيكا.
هذه التفاصيل تمنح الكتاب طابعًا مختلفًا؛ فهي لا تكتفي بتسجيل الأحداث العامة، وإنما تقدم صورة عن اهتمامات وشخصية القائد من خلال ذاكرة شخص كان قريبًا منه وشاهدًا على جانب من حياته الخاصة ورحلاته.
من مجلس الشيخ راشد إلى لقاءات القادة
يمتد الكتاب أيضًا إلى تجربة السامان مع حكام دبي، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي يصفه المؤلف بأنه ترك بصمات واضحة في مسيرة دبي والإمارات.
ويستعيد السامان طبيعة العلاقة التي جمعته بالشيخ راشد، مشيرًا إلى انفتاح مجلسه على الناس، وإلى قربه من أبناء المجتمع بمختلف مستوياتهم وجنسياتهم.
كما يوثق جانبًا من نشاطه في مجال المجوهرات، ومنه إقامة معرض في فندق «إنتركونتيننتال» في دبي، حضره عدد من الشيوخ واقتنوا بعض المعروضات.
ولا تقتصر دائرة الشخصيات التي يلتقي بها القارئ في «دفتر العمر» على حكام الإمارات، إذ يروي السامان لقاءاته بعدد من الشخصيات العربية والدولية، من بينها الملك حسين، والسلطان قابوس، والرئيس المكسيكي، والرئيس الفرنسي.
أكثر من سيرة ذاتية
تكمن أهمية «دفتر العمر» في أن السامان لا يحكي حياته بمعزل عن المكان والزمان؛ فكل محطة شخصية تقريبًا تفتح نافذة على مرحلة من مراحل تطور الإمارات.
فالحديث عن البحر يقود إلى طبيعة الحياة الاقتصادية قبل الاتحاد، والحديث عن التجارة يكشف بدايات النشاط الاقتصادي الحديث، والحديث عن الكهرباء والهواتف والراديو يرصد التحولات الاجتماعية، بينما تستحضر علاقاته بالقادة والشيوخ جانبًا من التاريخ السياسي للدولة.
ومن هنا يتحول الكتاب من مجرد مذكرات شخصية إلى وثيقة من وثائق الذاكرة الإماراتية، تسجل تفاصيل مرحلة عاشها المؤلف بنفسه، وتقدم شهادته الخاصة على التحولات التي شهدتها البلاد.
ويختتم السامان كتابه باستعراض عدد من الإنجازات التي شهدتها الدولة في عهد المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، مؤكدًا في نهاية رحلته أن ما عاشه لم يكن مجرد محطات شخصية، وإنما جزء من مسيرة وطن شهد خلال عقود قليلة تحولات تاريخية كبيرة.
«دفتر العمر».. ذاكرة رجل في ذاكرة وطن
يقدم سالم بن إبراهيم السامان في «دفتر العمر» نموذجًا مختلفًا للسيرة الذاتية الإماراتية؛ فهو لا يروي فقط كيف عاش، وإنما يستعيد كيف كانت الإمارات وكيف تغيرت.
ومن خلال ثلاثة أجزاء، تتقاطع سيرة رجل بدأ حياته قريبًا من البحر، ثم دخل عالم التجارة والأعمال، مع سيرة وطن انتقل من مرحلة ما قبل الاتحاد إلى دولة حديثة ذات حضور اقتصادي وسياسي عالمي.

