من مشاق الحياة في خمسينيات القرن الماضي إلى التحولات التي جعلت أبوظبي مركزًا عالميًا حديثًا، يأخذ الدكتور أحمد الخوري القارئ في رحلة عبر الذاكرة الإماراتية، مستعيدًا ملامح الحياة في زمن البدايات، وما شهدته البلاد من تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية، في كتابه «حيث لا تستقر الرمال».
ويقدم الكتاب، الذي يحمل وصف «مذكرات فتى إماراتي»، شهادة شخصية على مرحلة مفصلية من تاريخ الإمارات، مستندًا إلى تجربة المؤلف وذكرياته، في سرد يجمع بين الحكاية الذاتية والشواهد الثقافية والتاريخية، ويعيد إحياء تفاصيل من الحياة الإماراتية وتراثها وقيمها الأصيلة.
ولا تقتصر أهمية هذه المذكرات على استعادة الماضي، بل تمتد إلى قراءة التحولات التي عاشها المجتمع الإماراتي، وكيف تداخلت تحديات الحياة اليومية مع الطموح والعمل والإصرار في تشكيل ملامح الحاضر. ومن خلال التجارب التي يستعرضها الخوري، تتجلى جوانب من رحلة وطن حافظ على جذوره، فيما اتجه بثبات نحو آفاق جديدة من التطور والإنجاز.
من ذاكرة الطفولة إلى توثيق التراث
يستند الكتاب إلى تجربة الدكتور أحمد م. الخوري، الذي أمضى أكثر من خمسة عقود في خدمة الإمارات، جامعًا بين مسيرة مهنية في المجال الهندسي واهتمام ممتد بالتاريخ والثقافة والتراث المحلي.
وعلى الرغم من تخصصه الهندسي، ظل التراث شغفه الأبرز منذ طفولته؛ إذ بدأ اهتمامه بتاريخ الإمارات وثقافتها في سن السادسة، قبل أن يتحول هذا الشغف إلى مسار طويل من البحث والاقتناء والتأليف.
وأسهمت هذه الرحلة في تكوين مجموعة تضم أكثر من 10 آلاف قطعة أثرية، يتركز معظمها في تراث الإمارات وسلطنة عُمان، بما يعكس اهتمامًا بتوثيق الشواهد المادية للحياة في المنطقة، وصون تفاصيلها للأجيال المقبلة.
ويأتي كتاب «حيث لا تستقر الرمال» امتدادًا لهذا الاهتمام، إذ يستعيد الماضي من خلال التجربة الإنسانية، ويمنح الذاكرة الشخصية مساحة لتوثيق ملامح مرحلة لا يمكن فهم تحولات الحاضر بمعزل عنها.
مسيرة مهنية تجمع الهندسة والتعليم
حصل الدكتور أحمد م. الخوري على بكالوريوس الهندسة الكهربائية، وماجستير هندسة التحكم، إلى جانب ماجستير إدارة الأعمال والدكتوراه. وعمل في شركة أدنوك البرية حتى تقاعده عام 2015، بعد مسيرة مهنية امتدت لعقود.
وخلال رحلته، اهتم بدعم الشباب وتمكينهم من الحصول على تعليم بمستويات عالمية، في امتداد لرؤية تؤمن بأن بناء الإنسان يمثل أحد أهم مسارات التنمية المستدامة.
وتكشف هذه المسيرة عن جانبين متكاملين في تجربة الخوري: العمل المهني الذي أسهم من خلاله في مسيرة التطور، والاهتمام الثقافي الذي كرّس له جانبًا كبيرًا من حياته، سعيًا إلى حفظ الذاكرة الإماراتية وتوثيق ملامحها.
مؤلفات تحفظ ملامح الهوية الإماراتية
إلى جانب مذكراته، ألّف الخوري عددًا من الكتب المعنية بالتراث الإماراتي، من بينها «الإمارات عبر العصور»، و«الرمز الشهير للضيافة الإماراتية»، و«الأبواب والنوافذ المقوسة في الإمارات»، وهي أعمال تتناول جوانب من تاريخ الإمارات ورموز الضيافة وتفاصيل العمارة التقليدية.
ويعكس تنوع هذه المؤلفات اهتمامًا بتوثيق التراث من زوايا متعددة، تشمل التاريخ والعادات والتقاليد والعناصر المعمارية التي تحمل في تفاصيلها شواهد على طبيعة الحياة في الماضي.
وقد فاز كتاب «حيث لا تستقر الرمال» بمنحة الإبداع الوطني المقدمة من وزارة الثقافة، في تقدير للعمل الذي يجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق الثقافي والتاريخي.
حين تصبح السيرة جزءًا من ذاكرة الوطن
في «حيث لا تستقر الرمال»، تتجاوز الحكاية حدود التجربة الفردية لتلامس ذاكرة مجتمع عاش تحولات واسعة خلال عقود قليلة. فالطفولة التي يستعيدها المؤلف، والتفاصيل التي يوثقها عن الحياة في الماضي، ومسيرته التي جمعت بين الهندسة والبحث في التراث، تتيح للقارئ الاقتراب من التحولات الإماراتية من منظور إنساني.
وتكتسب هذه المذكرات أهميتها من قدرتها على الجمع بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الاجتماعي، بما يجعلها نافذة على ملامح الحياة الإماراتية وقيمها، وشهادة على رحلة الانتقال من تحديات البدايات إلى آفاق الحاضر.
فحفظ التراث لا يعني استعادة الماضي فحسب، بل إبقاء تجاربه وتفاصيله حاضرة في وعي الأجيال الجديدة، بوصفها جزءًا من قصة وطن تشكلت هويته عبر العمل والطموح والتمسك بالجذور.

