والد دبي.. الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم خالد في ذاكرة الإمارات

والد دبي.. الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم خالد في ذاكرة الإمارات

حين تُروى قصة التحول الكبير الذي شهدته دبي خلال القرن العشرين، يبرز اسم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم باعتباره واحدًا من أهم القادة الذين أسهموا في رسم ملامح الإمارة الحديثة. فمنذ توليه حكم دبي عام 1958 وحتى رحيله عام 1990، قاد الشيخ راشد مسيرة تنموية واسعة، انتقلت خلالها الإمارة من مدينة تجارية صغيرة إلى مركز اقتصادي وتجاري آخذ في التوسع، فيما ارتبط اسمه كذلك بواحدة من أهم محطات التاريخ الإماراتي، وهي قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

النشأة في مجلس الوالد

وُلد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في دبي عام 1912، وهو العام نفسه الذي تولى فيه والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حكم الإمارة. وكان الابن الأكبر لوالده، الأمر الذي أتاح له منذ سنواته الأولى الاقتراب من شؤون الحكم والإدارة.

تلقى الشيخ راشد تعليمه في المدرسة الأحمدية، حيث درس العلوم الدينية واللغة العربية والحساب، قبل أن يبدأ مبكرًا في اكتساب خبرته السياسية والاجتماعية من خلال حضور مجلس والده. ولم يكن وجوده في المجلس مجرد حضور عابر، إذ كان يصغي إلى مشكلات الناس وآرائهم، ويتابع ما يدور من نقاشات حول شؤون الإمارة، ويسعى إلى فهم تفاصيل الإدارة والحكم.

ومع مرور السنوات، بدأ والده يعتمد عليه في عدد متزايد من المسؤوليات، خاصة الملفات الاقتصادية، حتى أصبح شريكًا أساسيًا في إدارة شؤون دبي قبل أن يتولى الحكم رسميًا، وتصفه المنصة الرسمية لحكومة الإمارات بأنه امتلك صفات قيادية استثنائية، وأسهم منذ وقت مبكر في إدارة مختلف مجالات الحياة في الإمارة.

حاكم دبي.. ورؤية تتجاوز زمنها

في سبتمبر 1958 توفي الشيخ سعيد بن مكتوم، وفي أكتوبر من العام نفسه تولى الشيخ راشد حكم دبي، ليبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإمارة استمرت أكثر من ثلاثة عقود.

كان الشيخ راشد يدرك أن مستقبل دبي لن يعتمد فقط على التجارة التقليدية، وأن موقع الإمارة يحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية والموانئ والخدمات والمرافق، ولذلك ارتبط عهده بحركة تنموية وعمرانية واسعة، شملت تطوير المواصلات والخدمات الحكومية والتعليم والصحة، إلى جانب تعزيز النشاط التجاري.

وخلال فترة حكمه، بدأت دبي ترسخ مكانتها بوصفها مركزًا تجاريًا يربط الشرق بالغرب، ولم يكن اهتمامه بالبنية التحتية منفصلًا عن رؤيته الاقتصادية، بل كان يرى أن بناء الطرق والموانئ وتطوير المرافق هو الأساس الذي يمكن أن تستند إليه التجارة والاستثمار والنمو المستقبلي.

وتؤكد حكومة دبي أن الفترة التي حكم خلالها الشيخ راشد، بين عامي 1958 و1990، شكلت مرحلة محورية في تطور الإمارة، وأن رؤيته كانت محركًا رئيسيًا لعمليات التنمية التي شهدتها دبي.

من خور دبي إلى مدينة حديثة

كان خور دبي يمثل شريان الحياة التجارية للإمارة، ولذلك أولى الشيخ راشد اهتمامًا كبيرًا بتطويره وتعزيز قدرة دبي على استقبال السفن وتنشيط حركة التجارة، ومع توسع النشاط الاقتصادي، اتجهت الإمارة إلى تطوير الموانئ والمنشآت المرتبطة بالتجارة والنقل البحري، ضمن رؤية جعلت من الموقع الجغرافي لدبي ميزة اقتصادية استراتيجية.

ولم تتوقف عملية التحديث عند الموانئ، فقد شهدت دبي خلال عهده توسعًا في شبكة الطرق والمباني الحكومية والخدمات العامة، إلى جانب إنشاء وتطوير عدد من المنشآت التي أصبحت لاحقًا جزءًا من الذاكرة العمرانية للإمارة.

ولا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة في المشهد العمراني لدبي، إذ أطلقت دبي في السنوات الأخيرة مشروعات للحفاظ على عدد من المباني والمواقع المرتبطة بتاريخ تطور الإمارة، وأشارت حكومة دبي إلى أن كثيرًا من هذه المواقع يعكس التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية التي شهدتها المدينة خلال فترة حكم الشيخ راشد.

شريك الشيخ زايد في صناعة الاتحاد

لم تكن رؤية الشيخ راشد محصورة في حدود دبي، فقد كان من أبرز الشخصيات التي شاركت في الطريق نحو قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

ومع تصاعد الدعوات إلى توحيد الإمارات، عمل الشيخ راشد إلى جانب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على بناء تصور مشترك للاتحاد. وفي فبراير 1968، التقى الزعيمان في اجتماع تاريخي اتفقا خلاله على إقامة اتحاد بين أبوظبي ودبي، ثم توسعت الفكرة لتشمل بقية الإمارات.

وكان ذلك اللقاء من المحطات الأساسية التي مهدت الطريق أمام قيام دولة الإمارات في 2 ديسمبر 1971، وتؤكد المنصة الرسمية لحكومة الإمارات أن الشيخ راشد عمل جنبًا إلى جنب مع الشيخ زايد لتحقيق حلم الوحدة الذي تحول إلى حقيقة بإعلان تأسيس الدولة.

من حاكم دبي إلى نائب رئيس الدولة

مع إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، تولى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم منصب نائب رئيس الدولة، إلى جانب استمراره في قيادة دبي.

وبعد سنوات من تأسيس الاتحاد، تولى الشيخ راشد رئاسة مجلس الوزراء عام 1979، ليصبح أحد أبرز المسؤولين عن إدارة العمل الحكومي الاتحادي في مرحلة كانت الدولة خلالها تعمل على ترسيخ مؤسساتها وتوسيع قاعدة التنمية.

وتشير المنصة الرسمية لحكومة الإمارات إلى أن تكليفه بتشكيل الحكومة الرابعة جاء في 30 أبريل 1979، واستمر في منصب رئيس مجلس الوزراء حتى تشكيل الحكومة الخامسة عام 1990.

ومن هذا الموقع، واصل الشيخ راشد العمل على دعم التنمية في الدولة، بالتوازي مع جهوده في تطوير دبي، لتصبح تجربته نموذجًا للقيادة التي جمعت بين الاهتمام بالتنمية المحلية والمشاركة في بناء الدولة الاتحادية.

إرث ممتد بعد الرحيل

في 7 أكتوبر 1990، رحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عن عمر ناهز 78 عامًا، بعد مسيرة حافلة امتدت من مجالس دبي القديمة إلى أعلى مواقع المسؤولية في الدولة.

لكن رحيله لم يضع نهاية لحضوره في تاريخ الإمارات؛ فقد بقيت بصمته واضحة في مسار دبي التنموي، وفي المؤسسات والمشروعات التي ارتبطت بمرحلة تأسيس الإمارة الحديثة.

ولهذا ارتبط اسم الشيخ راشد بلقب «والد دبي»، باعتباره قائدًا وضع أسسًا استندت إليها أجيال متعاقبة في مواصلة مسيرة التطور، فدبي التي عرفها في بدايات القرن العشرين لم تعد هي المدينة التي تركها عند رحيله، إذ كانت قد قطعت خطوات واسعة نحو المستقبل.

ويبقى إرث الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاضرًا في ذاكرة الإمارات، ليس فقط باعتباره حاكمًا قاد دبي بين عامي 1958 و1990، وإنما باعتباره رجل دولة شارك في صناعة الاتحاد، وقائدًا امتلك رؤية سبقت زمنها، وأسهم في وضع اللبنات الأولى لدبي التي أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر مدن العالم حضورًا على الخريطة الاقتصادية والسياحية والتجارية.

Chat Icon