عوشة بنت خليفة السويدي.. «فتاة العرب» التي تركت أثرها في ذاكرة الإمارات

عوشة بنت خليفة السويدي.. «فتاة العرب» التي تركت أثرها في ذاكرة الإمارات

لم يكن الشعر بالنسبة إلى عوشة بنت خليفة السويدي مجرد موهبة مبكرة أو هواية رافقت طفولتها، بل كان طريقًا طويلًا تركت من خلاله بصمتها في الذاكرة الإماراتية والعربية.

فمنذ أن بدأت كتابة الشعر في الثانية عشرة من عمرها، وحتى اعتزالها نظم القصائد في أواخر تسعينيات القرن الماضي، استطاعت أن تصبح واحدة من أبرز الأصوات في الشعر النبطي، وأن تفتح الطريق أمام أجيال من الشاعرات في الإمارات والمنطقة.

إنها الشاعرة الإماراتية عائشة بنت خليفة بن الشيخ أحمد بن خليفة السويدي، التي عُرفت أولًا بلقب «فتاة الخليج»، قبل أن يمنحها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لقب «فتاة العرب»، وهو اللقب الذي ارتبط باسمها وبقي حاضرًا في المشهد الشعري الإماراتي حتى اليوم.

من أبوظبي إلى العين.. البدايات الأولى

ولدت عوشة بنت خليفة السويدي في أبوظبي عام 1920، ونشأت في بيت علم ودين، كان مجلس والدها مقصدًا لرجال العلم والشيوخ، وهو ما أسهم في تشكيل وعيها المبكر باللغة والشعر والثقافة.

عاشت معظم حياتها في العين، كما قضت نحو خمسة عشر عامًا في قطر قبل أن تعود إلى العين مرة أخرى، ثم انتقلت للإقامة في دبي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

ولم تكن هذه الأماكن مجرد محطات في حياتها، بل انعكست في تجربتها الشعرية؛ فالمكان بما يحمله من ذاكرة وناس وتفاصيل ظل حاضرًا في قصائدها، التي سجلت جانبًا من التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها الإمارات والخليج.

طفلة في الثانية عشرة.. وشاعرة في طريقها إلى المجد

في الثانية عشرة من عمرها بدأت عوشة كتابة الشعر، وتمكنت خلال شهر واحد تقريبًا من نظم نحو 100 قصيدة موزونة، في موهبة مبكرة لفتت الأنظار إليها.

وفي سن الخامسة عشرة، كانت قد بدأت تحظى باعتراف واسع بموهبتها الشعرية، لتخوض بعد ذلك تجربة في مجال أدبي كان يغلب عليه حضور الرجال، وتصبح واحدة من أبرز الشاعرات في الشعر النبطي الإماراتي والخليجي.

تأثرت عوشة في تجربتها بعدد من كبار الشعراء، وفي مقدمتهم الماجدي بن ظاهر والمتنبي، كما جارت شعراء كبارًا من عصرها، من بينهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلى جانب أحمد الكندي وعمير بن راشد وسعيد بن هلال الظاهري.

قصيدة تحمل ملامح وطن

تنوعت موضوعات شعر عوشة السويدي بين الغزل، والحكمة، والنقد الاجتماعي، والمدح، والإسلاميات، كما حضرت في قصائدها موضوعات الحب والوطن والحنين والذاكرة.

وكانت البيئة الخليجية بما تحمله من صحراء وبحر وتفاصيل الحياة اليومية مصدرًا أساسيًا لإلهامها، فيما شكلت قصائدها سجلًا أدبيًا لمرحلة مهمة من تاريخ الإمارات والتحولات التي شهدها المجتمع.

ومع انتشار قصائدها في الصحف والمجلات، تجاوز صوتها حدود المكان، لتصل كلماتها إلى جمهور أوسع في الإمارات والخليج والعالم العربي.

«فتاة الخليج» تصبح «فتاة العرب»

ارتبط اسم عوشة السويدي في بداياتها بلقب «فتاة الخليج»، قبل أن يمنحها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لقب «فتاة العرب»، عقب تكريمها وتقليدها وسام إمارة الشعر في عالم الشعر الشعبي عام 1989.

وأهدى إليها ديوانًا حمل إهداءً شعريًا جاء فيه:

«فتاة العرب وانتوا لها خير عنوان
ومن غيركم بقصد معاني نشدها»

لم يكن اللقب مجرد تسمية عابرة، بل أصبح عنوانًا لمسيرة شاعرة تجاوز حضورها حدود الإمارات، وارتبط اسمها بالشعر النبطي وبالذاكرة الثقافية للمنطقة.

حين تحولت القصيدة إلى أغنية

لم يتوقف أثر عوشة عند صفحات الدواوين والصحف والمجلات، فقد وجدت قصائدها طريقها إلى الأغنية الإماراتية، وغنى كلماتها عدد من أبرز الفنانين، من بينهم جابر جاسم، وعلي بن روغة، وميحد حمد، وغيرهم.

وهكذا انتقلت قصائدها من الورق إلى أصوات الفنانين، ومن مجالس الشعر إلى جمهور واسع، لتصبح جزءًا من الذاكرة السمعية للأغنية الإماراتية.

وفي عام 1990، جُمعت قصائدها في ديوان «فتاة العرب» الذي أعده الشاعر حمد بن خليفة أبو شهاب، وصدرت منه طبعة ثانية عام 2000، ليبقى الديوان أحد أبرز الشواهد على تجربتها الشعرية.

الشاعرة التي ابتلعها القمر

ومن الحكايات التي ارتبطت بسيرة عوشة السويدي، قصة حلم رأته في صباها؛ إذ روت أنها رأت القمر ينزل من السماء ويبتلعها.

فسّر البعض الحلم آنذاك بأنها ستكون صاحبة موهبة في الكلام والشعر، وهو ما بدا لاحقًا لافتًا في مسيرتها، بعدما أصبحت شاعرة ذات حضور مميز.

وظلت القصة واحدة من الحكايات التي تضيف جانبًا إنسانيًا إلى سيرة «فتاة العرب»، قبل أن تتزامن وفاتها عام 2018 مع خسوف قمري نادر.

من الشعر إلى مدح الرسول

بعد عقود من العطاء الشعري، اعتزلت عوشة السويدي نظم الشعر في أواخر تسعينيات القرن الماضي، لكنها لم تبتعد تمامًا عن الكلمة؛ إذ واصلت رواية أشعارها في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي عام 2009، حصلت على جائزة أبوظبي في دورتها الخامسة، تقديرًا لإسهاماتها وعطائها الشعري ومسيرتها الطويلة.

وفي يوليو 2018، رحلت عوشة بنت خليفة السويدي في دبي عن عمر ناهز 98 عامًا، بعد مسيرة امتدت لعقود، تركت خلالها إرثًا شعريًا ظل حاضرًا بعد رحيلها.

أثر لا ينتهي برحيل صاحبته

ربما كان أبرز ما تركته عوشة السويدي أنها لم تكتفِ بأن تكون شاعرة ناجحة، وإنما أصبحت تجربتها جزءًا من مسيرة تطور الشعر النبطي في الإمارات، ومهدت حضورًا أوسع للمرأة في هذا المجال.

ولهذا لم يتوقف الاحتفاء بها عند حياتها، إذ أُطلقت جائزة تحمل اسمها لتشجيع الشعراء والحفاظ على مفردات الشعر النبطي الإماراتي، ودعم الأجيال الجديدة للارتباط بجذورها الثقافية.

وتسعى «جائزة عوشة بنت خليفة السويدي – فتاة العرب» إلى إبقاء إرثها حيًا، من خلال تشجيع تقديم قصائد نبطية أصلية، وتعزيز الاهتمام بالمفردات المحلية الإماراتية، وربط الأجيال الجديدة بالثقافة والشعر.

وهنا ربما تكمن قيمة عوشة الحقيقية: لم تترك وراءها قصائد فقط، بل تركت مساحة أوسع للمرأة في الشعر، وذاكرة مكتوبة لمرحلة من تاريخ الإمارات، وكلمات وجدت طريقها إلى الأغنية، ثم إلى أجيال جديدة لم تعاصر صاحبتها لكنها ما زالت تعرف اسم «فتاة العرب».

Chat Icon