عبد القادر الريس.. من الكويت إلى باريس: خمسة عقود من الذاكرة البصرية الإماراتية

عبد القادر الريس.. من الكويت إلى باريس: خمسة عقود من الذاكرة البصرية الإماراتية

على مدار أكثر من خمسة عقود، استطاع الفنان الإماراتي عبد القادر الريس أن يحجز لنفسه مكانة بارزة في تاريخ الفن التشكيلي الإماراتي والعربي، بعدما نجح في تحويل تفاصيل البيئة المحلية، من البحر والصحراء والعمارة التقليدية إلى الأبواب والنوافذ والأشكال الهندسية والخط العربي، إلى مفردات فنية صنعت له أسلوبًا بصريًا خاصًا.

ولم تقتصر تجربته على توثيق ملامح المكان، بل امتدت إلى البحث والتجريب والانتقال بين التشخيص والانطباعية والتجريد والحروفية.

البدايات.. من الكويت إلى الانطباعية

وُلد عبد القادر الريس عام 1951 في دبي، وبدأ التعامل مع الفن بجدية في سن الرابعة عشرة، خلال إقامته في الكويت بعد وفاة والده، وهناك وجد بيئة داعمة للفنون، أتاحت له الحصول على الأدوات والكتب الفنية التي ساعدته على تطوير موهبته بصورة ذاتية، فتأثر بأعمال كبار الفنانين الأوروبيين، قبل أن يتجه لاحقًا إلى الانطباعية ويتعلم من فنانين مثل مونيه وبيسارو، وبحلول عام 1968، كان قد كوّن أسلوبه الخاص.

المعرض الأول وسنوات الانقطاع

وبعد عودته إلى الإمارات، أقام الريس أول معرض فردي له في مكتبة دبي العامة عام 1974، إلا أن مسيرته شهدت بعد ذلك فترة توقف عن الرسم استمرت نحو 12 عامًا، قبل أن يستأنف نشاطه الفني عام 1986، لتدخل تجربته مرحلة جديدة اتجه فيها بصورة أكبر نحو المناظر الطبيعية والعمارة والأشكال التجريدية.

الدراسة وتأسيس جمعية الفنون التشكيلية

وخلال فترة انقطاعه عن الرسم، حصل الريس على درجة البكالوريوس في الشريعة والقانون من جامعة الإمارات العربية المتحدة عام 1982، وكان من الأعضاء المؤسسين لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، التي أسهمت في دعم وتطوير الحركة التشكيلية في الدولة.

لغة الريس البصرية: الطبيعة والعمارة والحرف

ويُعرف الريس بتجربته التي تمزج بين الطبيعة الإماراتية والتجريد، إذ استلهم من الصحراء والبحر والسماء وسعف النخيل، كما منح العمارة التقليدية حضورًا بارزًا في أعماله، خاصة الأبواب والنوافذ والبراجيل، وفي مراحل لاحقة، أصبح الخط العربي والأشكال الهندسية والمربعات العائمة من أبرز السمات التي ارتبطت بتجربته الفنية.

حضور دولي ومقتنيات عالمية

وامتدت مشاركاته إلى الساحة الدولية، حيث عُرضت أعماله في أوروبا والولايات المتحدة ومناطق مختلفة من العالم، وشارك في الجناح الوطني لدولة الإمارات في بينالي البندقية عام 2015، وأقيمت له معارض استعادية، منها معرض “عبد القادر الريس: 50 عامًا من الفن” في أبوظبي، ومعرضه في معهد العالم العربي بباريس، كما اقتنت مؤسسات فنية بارزة أعماله، من بينها المتحف البريطاني في لندن، و”متحف: المتحف العربي للفن الحديث” في الدوحة، ومتحف الشارقة للفنون.

الجوائز والتكريمات

وحصد الريس خلال مسيرته عددًا من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة سلطان العويس، والسعفة الذهبية في معرض دول مجلس التعاون الخليجي عام 1999، والجائزة الأولى في معرض “الإمارات في عيون فنانيها” عام 1999، إلى جانب جائزة الشيخ خليفة للفنون والآداب عام 2006، وفي عام 2024، كُرّم بوسام الإمارات للثقافة والإبداع عن طبقة الرائد، تقديرًا لإسهاماته في المشهد الثقافي والفني الإماراتي.

ذاكرة بصرية للإمارات

ومن خلال هذه الرحلة، لم يقدم عبد القادر الريس لوحات فنية فحسب، بل أسهم في بناء ذاكرة بصرية للإمارات، وحوّل تفاصيل البيئة المحلية إلى لغة فنية قادرة على الوصول إلى الجمهور داخل الدولة وخارجها، ليظل واحدًا من الأسماء المؤثرة في مسيرة الفن التشكيلي الإماراتي المعاصر.

Chat Icon