من مدينة المطرية على ضفاف بحيرة المنزلة، خرج سيد حجاب حاملاً ذاكرة الصيادين وأحلام البسطاء، قبل أن يصبح واحدًا من أبرز شعراء العامية المصرية، وتتحول كلماته إلى أغانٍ وتترات ارتبطت بوجدان أجيال كاملة.
لم يكن سيد حجاب شاعرًا عابرًا في المشهد الثقافي المصري؛ فقد استطاع أن يجعل من اللغة اليومية مادة شعرية قادرة على التعبير عن الإنسان المصري، وأن ينقل تفاصيل الحياة من الشوارع والحارات والبيوت إلى القصيدة والأغنية والشاشة. وعندما ارتبط اسمه بالدراما، لم يكن التتر بالنسبة إليه مجرد مقدمة لمسلسل، وإنما قصيدة تختصر عالم العمل وشخصياته وأسئلته.
في 23 سبتمبر 1940، وُلد السيد أحمد محمد حجاب في مدينة المطرية بمحافظة الدقهلية، المدينة التي نشأ فيها وسط أجواء الصيادين وعلى ضفاف بحيرة المنزلة. وكان لهذه البيئة أثر واضح في تكوينه الشعري، حتى أصبح المكان والناس واللهجة والتفاصيل اليومية جزءًا أصيلًا من تجربته.
أبٌ كان بوابته الأولى إلى الشعر
بدأت علاقة حجاب بالشعر في سن مبكرة، وكان والده معلمه الأول. فقد كان يشاهد والده في جلسات الشعر التي تجمع الصيادين، حيث يتبارى الرجال في إلقاء الشعر، فكان الطفل سيد يراقب ويسجل ما يسمعه ويحاول محاكاته.
وحين كتب قصيدته الأولى، عرضها على والده، الذي أدرك مبكرًا أن أمام ابنه موهبة حقيقية، وبدأ يعلمه أصول الشعر وأوزانه.
لم تكن تلك البيئة مجرد خلفية عائلية؛ فقد أصبحت فيما بعد مصدرًا من مصادر حساسيته الشعرية. فالصياد، والبحيرة، والقرية، والناس البسطاء، كلها حضرت في تجربته، وهو ما ظهر مبكرًا في ديوانه الأول «صياد وجنية».
من الهندسة إلى الشعر
التحق حجاب بقسم العمارة في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عام 1956، ثم انتقل عام 1958 إلى جامعة القاهرة لدراسة هندسة التعدين.
لكن الطريق الأكاديمي لم يكن هو الطريق الذي سيكمل فيه حياته؛ إذ جذبه الشعر والمسرح والعمل الثقافي، وبدأ حضوره يتسع داخل الأوساط الأدبية والفنية المصرية.
وفي القاهرة التقى الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، ونشأت بينهما صداقة، ثم جاء اللقاء الأهم مع الشاعر صلاح جاهين، الذي كان له دور بارز في تشجيع حجاب وتقديمه إلى الوسط الثقافي، ورأى فيه شاعرًا يمكن أن يصبح صاحب صوت مؤثر في شعر العامية المصرية.
«صياد وجنية».. البداية التي كشفت الشاعر
في منتصف الستينيات، ظهر اسم سيد حجاب بصورة أوضح مع صدور ديوانه الأول «صياد وجنية» عام 1964.
كان الديوان إعلانًا عن صوت شعري مختلف؛ صوت يحمل أثر البيئة الشعبية لكنه لا يكتفي بتسجيلها، بل يحولها إلى رؤية شعرية للإنسان والحياة.
ومن الشعر المكتوب على الورق، انتقل حجاب إلى جمهور أوسع عبر الإذاعة، وشارك في برامج شعرية من بينها «بعد التحية والسلام» و«عمار يا مصر» و«أوركسترا»، وهي مساحة ساعدته على الاقتراب من الجمهور خارج دوائر المثقفين والقراء.
العامية.. لغة الناس لا لغة النخبة
كان اختيار العامية المصرية في تجربة حجاب جزءًا أساسيًا من مشروعه الشعري. لم يتعامل معها باعتبارها لغة أقل شأنًا من الفصحى، وإنما بوصفها اللغة التي يعيش بها الناس تفاصيلهم اليومية، ويعبرون بها عن الحب والخوف والأمل والاحتجاج والحنين.
ولهذا جاءت قصائده قريبة من الأذن المصرية، بما تحمله من إيقاع ومفردات وصور مستمدة من الحياة اليومية.
ومع الوقت، أصبح حجاب أحد الأسماء الأساسية في تجربة شعر العامية المصرية، إلى جانب أسماء كبيرة مثل صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي وغيرهما.
من القصيدة إلى الأغنية
لم يتوقف مشروع سيد حجاب عند الديوان والقصيدة. سرعان ما اتجه إلى كتابة الأغنية، فكتب لعدد من المطربين، وتعاون مع ملحنين كبار.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بتجربته الغنائية بليغ حمدي، الذي لحن كلمات حجاب التي غناها مطربون من بينهم علي الحجار وسميرة سعيد وعفاف راضي.
كما كتب حجاب لمحمد منير في بداياته، ومن أعماله معه أغنية «آه يا بلاد يا غريبة»، وكتب كذلك عددًا من الأغاني للأطفال، وأشعارًا للفوازير، وأعمالًا غنائية أخرى.
ولم تكن الأغنية بالنسبة لحجاب منفصلة عن مشروعه الشعري؛ فقد ظل الإنسان المصري، بتفاصيله وأحلامه وتناقضاته، حاضرًا في كلماته.
سيد حجاب والدراما.. حين أصبح التتر جزءًا من الحكاية
ربما كانت أكبر مساحة جماهيرية وصل إليها شعر سيد حجاب من خلال تترات المسلسلات.
فقد كتب كلمات مقدمات ونهايات عدد كبير من الأعمال الدرامية المصرية، ومن أشهرها «الأيام» و«الشهد والدموع» و«الوسية» و«أرابيسك» و«ليالي الحلمية» و«المال والبنون» و«بوابة الحلواني» و«أميرة في عابدين» وغيرها.
وفي هذه التجربة تحديدًا، قدم حجاب شكلًا مختلفًا للأغنية الدرامية. لم يكن التتر مجرد أغنية تسبق الحلقة، وإنما مساحة شعرية تقدم للمشاهد مفتاحًا لفهم العالم الذي سيدخله.
في «ليالي الحلمية» أصبحت الكلمات جزءًا من ذاكرة العمل نفسه، وفي «أرابيسك» التقطت الأغنية فكرة الزمن وتغير الإنسان، بينما حملت كلمات «المال والبنون» أسئلة مرتبطة بالمال والقيم والعلاقات الإنسانية.
ولهذا ارتبطت أسماء تلك المسلسلات في ذاكرة الجمهور بكلمات حجاب بقدر ارتباطها بأحداثها وشخصياتها. وقد وصفته مصادر صحفية بأنه صاحب مجموعة من أشهر تترات الدراما المصرية.
شراكات صنعت ذاكرة غنائية
جمع حجاب خلال مسيرته بين الكتابة والتلحين والغناء، فتعاون مع عدد كبير من أبرز الفنانين.
وكان من أبرز شركائه الموسيقار عمار الشريعي، الذي ارتبط اسمه بأعمال درامية مهمة كتب حجاب كلماتها، من بينها «الشهد والدموع» و«أرابيسك» وغيرها.
كما غنى كلماته علي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح وحسن فؤاد وحنان ماضي ومحمد منير وعفاف راضي وغيرهم.
هذه الشراكات ساعدت على تحويل القصيدة من نص أدبي إلى صوت جماهيري يصل إلى ملايين المصريين عبر الإذاعة والتليفزيون.
شاعر الأطفال والمسرح والمجلة
امتدت تجربة حجاب إلى مجالات أخرى. فقد كتب للأطفال في مجلتي «سمير» و«ميكي» خلال الفترة من 1964 إلى 1967.
كما شارك في إصدار مجلة «جاليري 68»، ونشر فيها عددًا من الدراسات والأشعار، وعمل في المجال المسرحي، وشارك في الندوات والأمسيات والأعمال الفنية المختلفة.
وهكذا لم يكن حضوره محصورًا في الشعر الغنائي، وإنما تحرك بين القصيدة والمسرح والمجلة والإذاعة والتليفزيون.
الشعر والسياسة
كان الجانب السياسي حاضرًا أيضًا في حياة سيد حجاب منذ شبابه.
وتشير السيرة المنشورة على موقع المجلس الأعلى للثقافة إلى انخراطه في نشاط سياسي مبكر، وتعرضه للاعتقال خلال عهد الرئيس جمال عبدالناصر. كما تناولت مصادر صحفية مصرية نشاطه السياسي في سنوات شبابه.
ولم تكن السياسة بعيدة عن عالمه الشعري؛ فقد ظل الإنسان المصري ومشكلاته وأسئلته الاجتماعية والسياسية حاضرًا في كثير من أعماله.
شاعر الناس
أحد أهم مفاتيح تجربة سيد حجاب كان قدرته على الجمع بين البساطة والعمق.
فالكلمات تبدو في ظاهرها قريبة وسهلة، لكنها تحمل خلفها أسئلة عن الزمن والإنسان والمجتمع والحب والفقد والعدالة والذاكرة.
ولهذا لم يحتج الجمهور إلى دراسة الشعر حتى يتفاعل مع كلماته؛ فقد وصلت القصيدة إليه من خلال الأغنية والتليفزيون والإذاعة، ثم استقرت في الذاكرة اليومية.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية تجربته: فقد خرج الشعر من صفحات الدواوين إلى البيوت، وأصبح جزءًا من طقوس المشاهدة والاستماع، حتى إن كثيرًا من المصريين قد يعرفون كلمات حجاب قبل أن يعرفوا اسم صاحبها.
أعماله الشعرية
ترك حجاب عددًا من الأعمال الشعرية، من أبرزها:
صياد وجنية، وصدر عام 1964.
الأعمال الشعرية الكاملة، وصدر الجزء الأول منها عام 1986.
مختارات سيد حجاب، صدرت عن مكتبة الأسرة عام 2005.
ومن القصائد والأعمال المرتبطة باسمه «الطوفان» و«سلوا قلبي» و«السلم والكرسي» و«زي الهوا» وغيرها.
التكريم والجوائز
حصل سيد حجاب على جائزة كفافيس الدولية عن مجمل أعماله، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2012، وكان عضوًا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة.
وكان حصوله على جائزة الدولة التقديرية تتويجًا لمسيرة امتدت لعقود، انتقل خلالها بين الديوان والأغنية والدراما والمسرح والإذاعة.
الرحيل في يوم له دلالة خاصة
في 25 يناير 2017، رحل سيد حجاب عن عمر ناهز 76 عامًا، بعد مسيرة طويلة في الشعر والثقافة والفن.
كان رحيله في اليوم نفسه الذي ارتبط في الذاكرة المصرية بذكرى ثورة 25 يناير، وهو تاريخ توقف عنده كثير من الكتاب عند تناول سيرته، خصوصًا أن السياسة والوطن والإنسان كانت موضوعات حاضرة في عالمه الشعري.
لكن رحيل الشاعر لم يكن نهاية حضوره.
سيد حجاب.. شاعر لا يموت بانتهاء الحلقة
بعد سنوات من رحيله، لا تزال كلمات سيد حجاب حاضرة كلما أعيد عرض مسلسل قديم، أو استمع الجمهور إلى أغنية من أعماله، أو عاد أحدهم إلى تترات الأعمال التي شكلت جزءًا من ذاكرة الدراما المصرية.
وإذا كان كثير من الشعراء يُعرفون بدواوينهم، فإن خصوصية سيد حجاب أن جزءًا كبيرًا من جمهوره لم يدخل عالمه من باب الكتاب، وإنما من باب الصوت والصورة.
دخل بيوت المصريين من خلال التليفزيون، ورافق أجيالًا كاملة في ليالي رمضان وخارجها، وكتب عن الزمن والناس والوطن والحب والقلق والحلم.
خرج من المطرية وبيئة الصيادين، وحمل معه لغة المكان إلى القاهرة، ثم وسّعها لتصبح لغة يعرفها الملايين.
ولعل هذه هي إحدى أبرز مفارقات تجربته: الشاعر الذي بدأ حياته يراقب الصيادين وهم يتبارون في الشعر، انتهى به الأمر إلى أن يصبح شعره هو نفسه جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية.
رحل سيد حجاب في 2017، لكن قصائده لم ترحل معه؛ فما زالت بعض كلماته تُغنى، وتُسمع، وتُعاد، وتفتح أبوابًا إلى زمن كامل من تاريخ مصر ودرامتها وثقافتها.
من «صياد وجنية» إلى «ليالي الحلمية» و«أرابيسك» و«المال والبنون» و«بوابة الحلواني»، ظل سيد حجاب يكتب عن مصر كما رآها: بلدًا يسكنه الناس قبل أن تسكنه الحكايات.

